عرب بيزنس: رحلات الهجرة غير الشرعية.. خفايا وألغاز لا تخلو من تورط الكبار

19 يونيو 2016
الكاتب :  سارة شلبي – جريدة الصباح
737 الزيارات

وراء كل خبر عن غرق مركب للهجرة غير الشرعية على سواحل المتوسط، تختفى عشرات الحكايات الموجعة والمؤلمة، غير أن أوجاع من ماتوا ترحل معهم بينما تظل آلام من ظلوا على قيد الحياة تطاردهم، وفى أبريل الماضى، تعرضت مركب تقل 400 من اللاجئين «الأورومو» الإثيوبيين للغرق بعد انطلاقها من منطقة البرلس بكفر الشيخ، غير أن الكارثة الكبرى التى تكشفها مصادر وثيقة الصلة وشهود عيان وأطراف فى القضية وجميعهم تحدثوا لـ«الصباح»، تظهر أن المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، سهلت سفر هؤلاء المهاجرين بشكل غير شرعى، وكلفت أفراد أمن يتولون حماية مقرها بمدينة 6 أكتوبر بالاتفاق مع سيارات لنقل اللاجئين الإثيوبيين لمدينة البرلس بكفر الشيخ، تمهيداً لهجرتهم بشكل غير شرعى إلى إيطاليا.

رحلة طويلة وشاقة قطعها المئات من أبناء قبيلة الأورومو الإثيوبية من السودان إلى أسوان لطلب اللجوء إلى دول أجنبية، إلا أن وجودهم غير الشرعى فى مصر منع المفوضية وفقاً لقوانينها، أن تعطيهم الموافقة على الصلاحية بالسفر بطريقة شرعية وقانونية إلى أوروبا وامريكا، هكذا تلخص اللاجئة فاطمة محمد، 22 عام، رحلة طويلة من الشقاء.

فاطمة، وهى واحدة ممن كتب لهم عمر جديد إذ لم يستوعب المركب الذى تعرض للغرق عدداً أكبر من الركاب، فانطلق بدونهم وكانت المُحصلة هى غرق الركاب.

وتصف فاطمة بداية معاناتها قائلة: «وصلنا إلى مصر من أثيوبيا مشياً على الأقدام سرنا مسافات مهولة لمدة شهر أو أكثر، ومات منا الكثيرون فى الطريق ولم نستطع حتى دفنهم نظراً لعدم وجود أدوات نحفر فيها الأرض لذلك، من أثيوبيا إلى السودان إلى أسوان وهناك التقينا مجموعة من الأشخاص، وطلبوا منا دفع 100 دولار عن كل فرد فينا، وكنا أكثر من 600 شخص».

وتابعت فاطمة رحلة معاناتها، حتى تمكنت وعدد من مرافقيها من استقلال شاحنة نقل بضائع لتوصيلهم إلى القاهرة، ووصلوا فعلاً فى شهر نوفمبر 2015 إلى مقر مفوضية شئون اللاجئين بمدينة 6 أكتوبر.

تقول فاطمة: «منذ وصولنا ونحن ننام أمام المفوضية واستمر هذا الحال لمدة شهرين تقريباً وتظاهرنا كثيراً أمام المفوضية، حتى جاء شخص لا نعرفه وعرض علينا مساعدتنا فى السفر عبر البحر بمركب صيد إلى إيطاليا مقابل 3000 دولار وأن المركب يتسع لـ500 شخص، وقال لنا إنه سيأتى صباح الغد ليسمع ردنا على ما قال».

واستمرت فاطمة لتصف التفاصيل فتضيف أن مجموعة اللاجئين الإثيوبيين والصوماليين اجتمعوا ليتناقشوا فى العرض المقدم لهم، وشرحوا لمسئولين فى مكتب مفوضية اللاجئين يدعى أحدهم «يوسف محمد» مصرى الجنسية، وآخر فرنسى لم نتمكن من التوصل إلى اسمه، وبحسب ما قالته فاطمة، فى مقابلة مسجلة مع لـ«الصباح»: فإن أحد الموظفين، وبعد علمه من اللاجئين بواقعة سمسار الهجرة، رد موجهاً غضبه تجاه اللاجئين: «إذا كان هذا الخيار الأفضل لكم فافعلوا ما تجدونه فى صالحكم، ونحن لن نستطع أن نوفر لكم سفرًا شرعياً قريبًا فأنتم بلادكم ليست من ضمن الدول التى يحتاج شعبها إلى هجرة إلى أوروبا».

لم يتوقف الأمر عند حدود كلمة من موظف غاضب، وبحسب ما حصلت عليه الجريدة من معلومات موثقة ومسجلة فإن أحد موظفى المفوضية اتصل بأفراد أمن يتولون حراسة المفوضية، وطلبوا منهم توفير سيارات لنقل اللاجئين تمهيداً لبدء رحلة الهجرة غير الشرعية.

وتمكنت الجريدة من التوصل لـ 2 من سائقى المكروباص الذين تولوا توصيل اللاجئين الأفارقة إلى مدينة المنزلة بالقرب من محافظة البحيرة، وتحتفظ الجريدة بأرقام وحروف لوحة سيارة مُستخدمة فى الواقعة، والتى أنكر سائقها أولاً، مشاركته فى نقل الأفارقة من مدينة 6 أكتوبر إلى المنزلة، وبعد عرض مادى لتوصيل «محررة الصباح» إلى تلك المنطقة اعترف أنه «ذهب إلى منطقة المنزلة لمرة واحدة لتوصيل بعض الأفارقة، لكنها كانت «مهمة خطيرة» بحسب تعبيره، مشيراً إلى أنه لن يتمكن من إيصال المحررة إلى المنطقة نفسها، بل إلى منطقة قريبة منها، موضحاً أنه نقل الركاب بناء على مكالمة من أحد أفراد الأمن المكلفين بحماية مقر المفوضية بمدينة 6 أكتوبر.

الرواية السابقة، يدعمها شاهد عيان، هو «أحمد (اسم مستعار) وهو أحد اللاجئين الأثيوبيين الذى قال لـ«الصباح»: «ركبنا المكروباصات، وكان عددنا 450 تقريبًا، وكنا قلقين ولكن سعداء لأننا أخيرًا سنصل إلى أوروبا حيث نستطيع أن نبنى أنفسنا من جديد بعد ما تركنا كل شىء خلفنا».

ويضيف: «كنا نغنى أغانى أورومية، وندعو الله أن يُنجينا، ونحن نعلم أن كثيرين يلقون حتفهم فى تلك الرحلات الخطرة، وسرنا ما يقرب من ساعتين حتى وصلنا إلى موقع بالقرب من البحر، ونزل شخص فوضناه للحديث عنا ليلتقى هناك شخصاً يدعى «الشيخ سيد»، ثم عاد وقال لنا إنهم يطلبون على المركب 3000 دولار، ولأن عددنا كبير سندفع 5000 دولار حتى يتم تزويدنا بستر نجاة».

تابع «أحمد»: الجميع دفع إلا من لم يستطع، وانتظرنا أكثر من 12 ساعة حتى أصبحت الساعة الـ1 فجراً، فبدأنا بالتحرك خلف بضعة رجال بدا أنهم صيادو سمك، حتى وصلنا إلى مركب لا يتحمل أكثر من 50 فرداً، وليس 500 كما وصف لنا ذلك الشخص أمام المفوضية.

واستكمل «بدأ الرجال يوجهون أوامرهم لنا بالصعود إلى المركب، حتى لم يعد هناك مكان للمزيد، وعندما اعترضنا على ذلك هددونا بالسلاح حتى صعد كثيرون منا ولم يعد يتحمل أكثر، وكان واضحاً أن ثقل المركب سيجعله ينخفض فى البحر إلى نصفه تقريباً، وكان ركوب المزيد سيجعله يغرق فى مكانه لا محالة، وعندها طلبنا من الشخص الذى يدعى الشيخ سيد، أن ننتظر يومين حتى يتوافر مركب آخر، وودعنا من كانوا على استعداد للرحيل، وبكينا كثيراً فبعضنا ترك على ذلك المركب أخًا وأختًا، وابناً على أمل أن نراهم قريبًا فى أوروبا وهو ما لم يحدث بعد غرقهم وموتهم جميعاً».

ووفقاً لـ «ع.م» سودانى، ينتظر تأشيرة الموافقة على الهجرة من المفوضية العليا لشئون اللاجئين، شرح أن سماسرة الهجرة يبدأون فى البحث عن اللاجئين ويبلغونهم بقدرتهم على مساعدتهم، وإذا عرضنا الأمر على المسئولين فى مكتب الأمم المتحدة الذى يقع فى الزمالك أو فى مدينة 6 أكتوبر يأتى ردهم عادة على شكل: «مع ألف سلامة»، ويطلبون من الأمن أن يوفر لنا وسيلة مواصلات ندفع عبرها مبلغًا زهيدًا كل فرد عن نفسه، ويستلمنا السمسار الأول إلى أن نصل إلى السمسار التالى، وتبدأ رحلة المعاناة مع المهربين البعيدة عن البحر بداخل المدينة، وفى أماكن غير كثيفة السكان، ويطلبون منا عدم الخروج أو التحدث مع أحد والزعم بأننا عمال.

وتابع ع.م: «خلال تجربتى سكنت بصحبة 47 فرداً فى تلك المنازل من اكثر من 12 بلدًا مختلفًا، الى ان تم جمع ما يقرب 200 الى 400 شخص، وعند اكتمال العدد يتم تجميع الأموال من كل فرد وتم شحننا فى سيارات دفع رباعى فى الصحراء، وصولًا إلى الحدود المصرية الليبية، وهناك تم تسليمنا إلى سمسار ثالث، وتوجه بنا إلى مصراته والزوارة، وهناك تم دفعنا إلى مركب مطاطى كبير ومنه إلى البحر، وبعدها ألقى القبض علينا لكننا لم نستطع استكمال الرحلة بعدما تم القبض علينا وترحيلنا إلى مصر.

العودة إلى 6 أكتوبر

«أمينة (اسم مستعار) تصف رحلة العودة إلى مكتب المفوضية فى مدينة 6 أكتوبر قائلة، بعد ما رأيناه اجتاح الخوف قلوبنا وشعرنا بالرعب من التعامل مع هؤلاء المافيا مرة أخرى، لقد أخذوا كل ما نملك فى ذلك اليوم، ووعدونا بأن يتم ترحيلنا فى الرحلة القادمة، انتظرنا لليوم التالى ولكننا لم نجد أى شىء سوى السلاح الذى طالبنا من يحملونه بالرحيل الفورى والعودة بعد أسبوع، وسط عشرات من التهديدات، بأنه إذا قمنا بالتبليغ عن أى شىء مما رأيناه فى ذلك اليوم سيتم قتل كل من هاجروا قبلنا على المركب».

جملة «قتل كل من كان على المركب» كانت تقولها «أمينة» بحزن يملأ وجهها، إذ انطلقت بعدها وكالات الأنباء لتحمل الأنباء عن غرق المئات فى البحر المتوسط»، وبعدها سقطت السيدة أرضاً عندما سمعت ذلك الخبر.

تظاهرات

«جنازة بلا أجساد» هذا ما قاله «عادل. م» أحد اللاجئين الأفارقة، وأضاف «فقدت شقيقى فى المركب الغارق بسبب المفوضية، فهى من تركتنا لذلك الجحيم بسبب تعنتهم لمساعدتنا للجوء إلى أى دولة أجنبية، فنحن لا نستطيع العيش هنا فى مصر، والوضع الاقتصادى هو ذاته الذى نعانيه فى بلادنا، وكل ما تساعدنا به المفوضية 400 جنيه فى الشهر، ونحن لم نكن لنلجأ للهجرة غير الشرعية لولا تقاعس الأمم المتحدة، وعندما علموا أن كثيرين سيهاجرون بشكل غير شرعى، لم يقوموا بمنعنا بل ساهموا فى أن يأتى لنا الأمن بالميكروباصات للذهاب إلى مناطق لا نعلم عنها شيئاً»

معاناة أخرى تسردها السيدة أم محمد التى فقدت ابنها فى التاسعة عشرة من عمره، موضحة أنها لم تتمكن من دفع المبلغ المطلوب من قبل من يسمون بـ«العرب» فى أسوان، فأجبروه على العمل معهم لما يقرب من شهر ونصف، حتى استطاع الهرب منهم والوصول إلى القاهرة ومنها إلى المعادى، حيث يوجد المئات من شعب الأورمو».

شاكر بلال، 24 عام، صومالى، وأحد الناجين من محاولة الهجرة العام الماضى، يوضح أن الصيادين القائمين على محاولات تهريب المهاجرين، لايتولى قياداتها بل يقوم بتدريب مجموعة من الرجال على ذلك.

ويتذكر محاولته للهجرة بحراً قائلاً «شعرنا بالخوف لكننا دفعنا مبلغًا وصل إلى ما يقرب من 20 ألف جنيه فى ذلك الوقت للصيادين، ومن حاول التراجع لم يكن ليحصل أمواله مرة أخرى، وركبنا المركب المتهالك، وأبحرنا لمدة يومين إلى أن وجدتنا إحدى الطائرات المصرية وشرطة خفر السواحل المصرية، وطلبوا منا التوقف ورمى أى أسلحة معنا فى البحر، وألقى القبض علينا وتم احتجازنا فى سجون فى الاسكندرية».

أما أحمد حمدى 34 عاماً، أثيوبى الجنسية، وأحد الذين تم إلقاء القبض عليهم لمحاولته الهجرة غير الشرعية عام 2014 من الاسكندرية إلى إيطاليا، وأفرج عنه بعد عدة أشهر بمساعدة من المفوضية العليا لشئون اللاجئين، فيقول إن الرحلة لم تصل إلى منتصف الطريق وتمكن خفر السواحل من القبض على كل من فى المركب والصياد، وذلك بعدها.

أما «ميرون إستيفانوس»، مناضلة من أجل حقوق اللاجئين الأفارقة، فقالت لـ»الصباح» إن العديد من الأفارقة اللاجئين وغيرهم يتعرضون للانتهاكات الإنسانية والأوضاع الاقتصادية الرديئة، ولايمكنهم الصبر انتظاراً لمساعدة هيئة إغاثة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

موسم الهجرة

تشير الإحصائيات الدورية حسب المفوضية العليا للاجئين إلى أن موسم الهجرة السنوى يبدأ فى شهر إبريل من كل عام، و17 أبريل 2015 غرق نحو 800 شخص فى البحر الأبيض المتوسط أثناء محاولة الهجرة غير الشرعية، وفى إبريل 2016 غرق ما يقرب مابين 400 إلى500 شخص فى نفس الموقع.

رد المفوضية

وتوجهت «الصباح» بكافة المعلومات التى تشير إلى تورط موظفين بمفوضية شئون اللاجئين فى مصر فى تسهيل عملية الهجرة غير الشرعية عبر التنسيق مع مسئولين عن تأمين مقر الهيئة الدولية، إلى مسئولين رسميين بالمفوضية، وعند محاولة استفسار محررة الصباح عن هوية الموظفين أنكر المسئولين وجود موظفين بتلك الصفات يعملون بالمفوضية، وعلمت «الصباح» من بعض اللاجئين، أن الموظفين اللذين سهلا تسفير المهاجرين، توقفا عن الحضور لمقر المفوضية منذ 3 أسابيع، بعد أن علما بوجود تحقيق صحفى بشأن الواقعة، ورفض المكتب الإعلامى للمقر الرئيسى للمفوصية الواقع بحى الزمالك، التحدث بشأن المعلومات التى واجهتهم بها «الصباح»، واصفاً إياها بالادعاءات الباطلة.

ومن جانبها قالت المتحدثة الرسمية لمكتب الأمم المتحدة لشئون اللاجئين فى مصر، مروة هاشم: إن ما يدعيه بعض اللاجئين من اتهامات تقول بأن المفوضية تساعد فى تهجيرهم بشكل غير شرعى أمر غير صحيح، ولا يمكن أن يحدث من المنظمة، والمفوضية العليا لشئون اللاجئين فى كل أنحاء العالم بما فيها مكتبها فى مصر تسعى دومًا لتعريف اللاجئين بمخاطر الهجرات غير الشرعية وما فيها من تعريض حياتهم لمخاطر أقل ما فيها الخطف والقتل وسرقة الأعضاء والموت».

واستطردت مروة هشام، «غرق الـ400 لاجئ منذ ما يقرب الشهرين نددت به الأمم المتحدة، وطالبت بالتحقيق فى الأمر عن أسباب هجرة هؤلاء بتلك الطرق».

 

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top