هدير الجميلي تكتب: خلف سجون المطر

10 مايو 2016
الكاتب :  هدير الجميلي
623 الزيارات

تهب الخماسينية متخمة بخمر مجنون. تتعبني، لكن ذلك النخل رغم طول جذعه لا تهتز فرائصه، بل تتراقص سعفاته الرشيقة بدلال...

أنظر من خلف نافذتي اليتيمة أمسح دموعها بطرف أكمامي الطويلة، بكاؤها يصيبني بالكثير من الشجن، فأنا أعلم كم من الأحزان تسكنها.

أحتضنُ بعضي بعدما أصابتني قشعريرة من تيار بارد، لم تدخله نافذتي، فهي وفية وصابرة مهما أوجعها المطر وهزأت منها الرياح. حبات المطر الهاطل بجنون تفني بعضها قبل أن تصل أفواه الأرض، كما نحن قبل أن نصل إلى المجد...

أفكر: لمّ نفعل هذا ببعضنا ونحن نبرك في أعلى قائمة التخلف والمجون...؟

في ذلك اليوم، وبعد شجار أخطبوطي طال عائلتينا، انفض الجميع بعد توقيع حكم الإعدام علينا، ليتك انتظرت قليلاً قبل أن تحزم حقائبك إلى بلاد ضيفها العربي بغيض، أنسيتني وكأني ما كنت يوماً معك أم تناسيت؟

أكملت دراستي بعيداً عن المشاحنات العرقية والطائفية، والمذهبية، تلك التي تمضي ببقايا الإنسانية فينا، ليتهم يفهمون أن المحبة رسالة الإنسان وكل الديانات السامية، في زمن الحقد تفقد الأشياء الجميلة معانيها.

في باحة كلية الفنون أجلس دائماً بقرب حجر قديم، نحته عميد الكلية ليعطينا دفقة لفهم الجمال، مهما كان جامداً لكنه ينطق بصراحة وفصاحة أكثر من البشر، للحجر قلب يتدفق فيه الماء الزلال، كنيسة من جهة المدخل الغربي للجامعة، ومسجد تزينه القباب العثمانية من جهة الشرق، يرتاد من شاء ما شاء بحرية الطيور، تفكرت في كل تلكم الأيام الخوالي وأنا أدرس طلاب جامعتي حسن التعايش والتأقلم مع الآخرين.

تنهدت بحرقة وأنا ألمح ضوءًا هزيلاً تتراقص تحته ظلال كسولة، كم تشبه فقاعات تعلو حتى سطح ذاكرتي، وقبل أن أستمتع بجمالها تختفي، أرنو صوب ذكريات الطفولة المسكرة.. أستنشق أريج الياسمين ممتزجاً برائحة الليمون، يا له من سحر خاص!

شيءٌ آخر لمحته بالقرب من سور المنزل، ظلٌ قاتم يمتدُ نحو الأفق، إنه أنت كما وعدتني، لا يبتسم المطر دون عينيك.

أسابق بعضي حتى آخر السور ركضاً إليك.. يرتطم جسدي المبتل بظل ظننته أنت، كما كنت من قبل كلما اعتقلني الخوف لجأت إليك لتحميني من أعاصير البحار العنيفة.

فتحت عيني وقلبي لا يمسك نبضه لأجد رأس أخي على كتفك، تحمله برفق إلينا بعدما أسعفته من رصاصة تلقاها من يد غادر.

وحين وجدتنا فجأة بين أفواه أهلي، وأنت تصارع الأخطبوط للدفاع عن نفسك، طار صوابي...

 

هدير عادل الجميلي

عضو اتحاد الكتاب والادباء الأردنيين

mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top