عشيقة الملك

11 مايو 2016
الكاتب :  بقلم: هدير الجميلي
528 الزيارات

تحمل باقة من الزهور البرية التي جاد بها الربيع بغية نثرها على موكبه.

من بين الجموع والحشود المرحبة بالموكب المهيب كانت تترصده، تحاول اصطياد أذنه بصوتها الضعيف المسكين، ترجو أن يعيرها بعض انتباه، ولكن كيف السبيل إلى ذلك وهدير الهتاف "عاش الملك" يفيض عن المدى وصفوف الجنود تمنع مرور الهواء!

عربات امبراطورية فاخرة تجرها خيول عربية أصيلة على إيقاع الموسيقى العسكرية توقظ الرهبة في النفس والتوجس من الاقتراب، ماذا لو لاحظتها زوجته، مؤكد أنها ستكون بوضع وخيم!

يبتعد الموكب وهو يلوح بيديه لشعبه، والملكة إلى جانبه تستعرض نفسها، متباهية بالطوق الذي زين شعرها المغطى بصبغة باهظة الثمن، ويد الريح المشاكسة تعبث به بخلاعة، تعالت الأصوات فتلاشى صوتها خلف الجماهير الغفيرة، ركضت تسابق الصفوف، تقفز فوق أعناق الهواء، ترفع يدها وتقترب علّها هذه المرة تلفت انتباهه، حانت الساعة التي سترمي نفسها أمامه، رآها تسقط على الأرض وشهد ملامحها يقطر بدلال! أعطى شارته بالتوقف، ألقى نظرة عابرة عليها، عليه أن يبدو رحيماً لشعبه وأمام شعبه بالذات، نزل وأمسك بيدها، لكنها عاجزة عن الحركة، شكرت الله أن كاحلها قد التوى، ارتمت في أحضانه، رجال الأمن فشلوا في إبعادها، وضع محرج يبدو أنه لن يستطيع التخلص منها بسهولة، طلب نقلها لعربته، كانت حسناء بحيث لا يمكن تجاهلها، وهو يحاول الحفاظ على إطار الرحمة والتواضع، وتلك الملكة اللئيمة كانت تقدح شرراً في داخلها وعلى وشك إشعال النار، من تمنت مشاهدته ورؤيته عن كثب أمامها الآن، بخجل جذاب انطلقت أسمهان في الحديث وعيناها معلقتان بملامحه عبرت له عن مدى إعجابها بشخصه، وراحت تسرد قصصاً من مخيلتها...

بحركة بسيطة استطاع الطبيب المرافق للملك إصلاح كاحلها، فلم يعد هناك بد من طلب الإذن والمغادرة...

كيف لها أن تنام هذه الليلة وقد كانت في أحضان فارس كل النساء بلا منازع! قررت ترتيب المكان البائس الفقير عله يزورها يوماً ما.

رمت بنفسها على سرير عتيق كان يوماً لوالديها اللذين تركاها يتيمة برعاية عمها المسن الأعمى، من صناديق الخضار الخشبية صنعت مكتبها المتواضع الذي يحوي رسائل بعض من كتب لها، وأوراقاً لتدوين أشعارها، وقصص البائسين من أبناء حيها، كان حلمها أن تكون قاصة كأجاثا كرستي أو نجيب محفوظ، لكنه الفقر يقتل أحلام المعدمين أمثالها، وهناك بعض صور للملك تزين جدران الغرفة الآيلة للسقوط .

في الصباح تحط الحمائم والعصافير لالتقاط الحب من وجه الأرض، وفي إحدى الزوايا يجلس عمها العجوز الذي امتصت السنوات من وجهه بهجة الحياة، يسبح الرزاق بحرف كتوم، تذهب لتأمين رزقهما من دكان صغير على أطراف الحي المعدم، تمر بها كل طبقات وأنواع البشر، تتلقف منهم أخبارك الملك، لكن نضوج خيبتها يهيج أمواج الحزن والكآبة.

وفي ليلة صب القمر نوره على نافذتها المخلعة، سمعت طرقاً خفيفاً قبيل الفجر، بين النائم واليقظان نادت بكسل بصوتها الجميل من الطارق؟

- أنا الملك.. (رد بصوت خافت).

اهتزت وارتبكت وحركت رأسها بدهشة، فركت عينيها وقرصت أذنيها وأطرقت سمعها من جديد بسؤاله مرة أخرى، فأتاها نفس الجواب

خفق قلبها حتى كاد يحلق، ركضت والأرض كأنها تطير وفتحت مقبض الباب الذي بدأ يودع سنوات خدمته..

الملك!!...كيف؟

حين كشف عن وجهه الملثم بمنديل من حرير، داهمها شعور بالرقص فرحاً وكادت أن تسقط من شدة الصدمة... إنه هو.. نعم هو.. حدثت نفسها بصوت مسموع.

أعاد لثامه وسحبها برفق من يدها حتى أجلسها إلى جواره في سيارة كانت تقف في آخر الحي، أسدلت بعض خصلات شعرها على كتفيها وهي تنظر بمتعة إلى أحياء المدينة الراقية وقصورها الفخمة من علو.

اتجهت نظراتها له طالبة الإذن باحتضانه، كان يشتاق لضمة حب حقيقي وحنان طبيعي منذ صباه، فالنبض الأبيض في قلبه كان يحتاج لأحضان حبيبة كالمطر، عيناه تفضحان طرب روحه... ورسى رأسه على غيوم صدرها البركاني...

تكررت اللقاءات من أول الشوق في جوف الليل حتى اشتعال نسائم الفجر بالمطر..

الحي الذي كانت تسكنه ما عاد ذاك الحي، إصلاح شوارعه وترميم أرصفته ومنازله كانت إحدى سمات ذلك الوقت، منزلها المتهالك بدا كـ(فيلا) أحد الأثرياء، وعمها المسن صار يجد طريقه بسهولة...

ذات مساء وصلت إلى مسامعها أصوات جلبة وصخب، كانت قادمة من الميدان الذي يموج بالبشر قرب دكانها المتوارية عنه، جمع غفير من كافة أصناف البشر والباعة والفقراء وأهل الحي، كان جميعهم يهتفون...

قفزت من مكانها وركضت بخطوات لم تكن محسوبة لتستقر أمامه تماماً... (هذا أنت!) ابتلعتها قبل أن تخرج... وتيبست في مكانها...

فوق سطوح المنازل بضع حمائم جفلت من صوت رصاصة...

وعاش الملك.

 -----------------

هدير عادل الجميلي

عضو اتحاد الكتاب والادباء الأردنيين

mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top