الكاتبة العراقية الشهيرة هدير الجميلي تكتب لـ "عرب بيزنس": سحابة النار

18 مايو 2016
الكاتب :  بقلم - هدير الجميلي
588 الزيارات
هدير الجميلي

لا يهم أن يجر أوقاته أو تجره بسخط أو رضا، سيلتف الحبل على عنقه شاء أم أبى...

أيعقل أن يكون هذا الإنسان اللطيف الطيب مجرماً! كان يتساءل زميله اللص وهو يحدثه قبل يوم من تنفيذ الحكم: حكايتك هذه لا أصدقها، هات الحقيقة خالية من الزينة، فقد حيرني أمرك.

تململ الرجل الكتوم في مكانه، ألقى صمته جانباً، تناول رشفة بغصة من كوب شاي هو الأخير في يقينه، وسحب نفساً من سيجارة دخانها يرسم تفاصيل مستقبله: كما ترى أنا شاب تحت الثلاثين، كنت ابن أمي الوحيد المدلل، ورثتُ الكثير من الأملاك عن أبي، مزارع وحقولاً على مد البصر، فيها من كل ما تشتهيه النفس من نباتات وزهور، وخرير ماء يتخلل الأفانين المتراصة بلا انقطاع، كأنها الجنة، لم أعرف معنى المسؤولية وما رأيت السعادة إلا في النساء، لأنهنّ فارغات البال إلا من الغزل ودواعيه، حتى وقعت عيني على فتاة لم يسبق لي أن رأيت امرأة بجمالها، ولا برشاقتها غزالاً، كانت تحمل سلة فاكهة على خصرها وتسير بدلال، ولما اقتربت منها أملت سيارتي باتجاهها وعدت إلى الطريق الزراعي الضيق، فارتعبت وسقطت أرضاً وتناثرت الفاكهة، فضحكتُ ملء شدقي حتى رأيت شاباً يخرج من بين الحقول، جمعها وأشياءها، نظر إليّ نظرة يقدح منها الشرر، ثم مضى معها تتوكأ عليه، لابد أنه حبيبها، غضبت ومضيت في الاتجاه المعاكس لهما، إلى السمر والسهر مع أصدقائي..

- قصة مشوقة، ثم ماذا حصل؟ أكمل

عدت في اليوم التالي أنتظرها في نفس المكان والزمان، رغم حبي للنوم لم أغمض جفناً تلك الليلة، ولم أستمتع باللهو مع أصدقائي، سلبتني من نفسي، ولربما حلت عليَّ اللعنة، شعرت بوخز الضمير رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي أقوم فيها بفعل كهذا، فعلته مع غيرها من قبل ولم أشعر بشيء، لكن هذه مختلفة... غير بعيد أطلت بكامل دلالها وجمالها وخجلها، وسلّتها، هل أعتذر منها، أم أطوي خطى حيرتي وأهرب بعيداً عن عينيها؟!

ارتبكت وهربت إلى صديق عاقل يكبرني سناً، قال: إنه بلاء مصبوب يحل على أهل الهوى..

- هل تقصد أنني عاشق!! وضحكت بسخرية كعادتي..

سرت في اليوم التالي إليها، عازماً على إخبارها بالنار التي تأكلني، ولكن ماذا إن رفضت! ماذا سيحل بي وبكرامتي وكبريائي ومركزي الاجتماعي! بقيتُ متسمراً في مكاني وهي تمر من جانبي ونفس الشاب يمسك بيدها ويحمل سلتها، نظر إليّ بعين حمراء، أما هي فقد فهمت نظراتي وهمست بعينها بالرضا...

عن بعد تتبعتها إلى أن دخلت بيتاً قد شارف على السقوط، استقبلها صغار كأنهم جراء تلتف حول قدميها، تساؤلات كثيرة هبت كريح حارة أحرقت كوم الهدوء براسي، داهمني القلق حتى ضاق صدري وباح ما فيه لأمي..

ضربت كفاً بكف وقالت: أتعشق فقيرة قروية ونحن نمتلك نصف هذه البلدة بأهلها!! حاولت تهدئتها وإطفاء غضبها لكنها همست بدهاء بارد: هي نزوة عابرة سرعان ما تنساها، وعلاجها عندي..

على صوت فتح باب غرفتي قفزت من فراشي آخر الليل، ذلك الذي كان يتقلب على نبضي سارقاً نومي رفعت الغطاء بتثاقل فإذا بأمي تأمر خدمها بإلقاء فتاة معصوبة العينين ومقيدة اليدين في فراشي!

دهشت: أتمازحينني يا أمي أم تريدين قتلي؟

- لا هذا ولا ذاك، ولا تنس أن ترمي لها ما يسكتها بعد الانتهاء منها، وبلغني حتى أوصلها لمنزلها.. إنها مجرد عاملة فقيرة في مزارعنا أيها الولد الطائش... وأغلقت الباب..

كانت ترتعد كغزال صغير يراوده نمر شرس، رفعت عصابة عينيها وفككت وثاقها، فانسحبت نحو زاوية الغرفة والتصقت بها، أمواج الدموع المنحدرة حتى نحرها العاجي، أشعرتني بالحزن والعار من نفسي، نظرت لوجهها الباكي: لقد أحببتك منذ ذاك اليوم الذي انكسر فيه غروري وكبريائي، أردت التقرب والزواج لا التسلي، لكنها أمي اعتادت على الكبر وتحريك ما تحت إمرتها، لن أجبرك على فعل ما لا تريدين ولست سبباً في إحضارك...

زال الخوف وسكنت ملامحها وهدأت ارتعاشاتها، انكشف لي جمالها الحقيقي هي ليست فقيرة بل غنية فاحشة الثراء، ارتحت كثيراً عندما علمت أن الشاب كان أخوها، رفضت أن تقترن بي، لأنها تعلم ما سيحل بعائلتها بعد تهديد أمي..

أوهمت أمي بأني نلت مرادي منها كي تعيدها دون المساس بها.

في اليوم التالي حذرني صديقي مما هو آتٍ وأعظم، بعد أشهر من متابعتها عن بعد وإهمالي لنفسي، صرت لا أبدل ثيابي، ولا تفتر لي دمعة على جمود عيني، لا يطيب لي العيش من غيرها، فقد غدت الحب الذي لا ينسى..

سألت مدير المزرعة عنها فأخبرني أنها منقطعة منذ ثلاثة أيام ولا يعرف السبب، تلاعبت بي الظنون وزاد قلقي، فما شعرت بنفسي إلا وأنا أمام منزلها، أدخلني الصغار لغرفتها، شعرت بالمنزل الضيق فسحة من الجنة، على عكس منزلنا الواسع، على سرير يستلقي جسد باهت الملامح هو أشبه بجثة هامدة، يا إلهي إنها هي.. جثوت على ركبتي أحتوي جسدها، صرخت من علامات واضحة في معظم جسدها، وإيذاء لا يصبر عليه أشد الرجال، بكيت ورجوتها أن تخبرني بالفاعل لكنها رفضت..

عدت سريعاً لمواجهة أمي بفعلتها الشنيعة، وما إن وصلت المنزل حتى رأيت صديقي الصدوق الذي لم يزرني يوماً ولا تعرفه أمي، يخرج من منزلنا بحقيبة، ارتبكت وتتبعته حتى دخل منزلها، ما الذي أتى به إليها؟ هي لا تعرفه أيضاً...

تبديدًا للهواجس والشكوك هممت بالدخول خلفه، فإذا بلكمة تصدم وجهي، فقدت توازني وأسرعت كمجنون أضربه حتى سقطت مرهقاً، وحين استيقظت وجدتني في زنزانة بتهمة القتل..

- قتل من؟ حكاية عجيبة.. أكمل..

من كنت أظنه صديقي سلمني للشرطة، ولولا أنني كنت في السجن لقتلتني هي ثأراً لأخيها وأيتامها، رفضت مراراً وتكراراً رؤية أمي، كان عاشقاً لمها، ولعبت الصدفة دورها في وضعي في مواجهة غير متكافئة معه..

- حكايتك كخزنة بخمسة أقفال.. ما أكثر المظلومين في السجون، والنفس أشد السجون فتكاً، لا تقلق.. أكمل

بدد الصمت صوت الباب الرئيسي بصريره، بدأ بتجهيز نفسه بينما تزداد أصوات البساطير انتشاراً، يمررون هراواتهم على قضبان الزنازين فتصدر أصواتاً مزعجة، هذه عادتهم في السجون، عندما وقف الشرطي على باب زنزانته وجده ممتثلاً جاهزاً، مسلماً أمره لله، قد ودع أصدقاءه..

وبينما ينطق بالشهادة يسكته الشرطي وهو يقرأ من ورقة في يده: بسبب ظهور أداة القتل وعليها بصمات مختلفة.. ستظل في ضيافتنا الفاخرة...

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top