هدير الجميلي تكتب لـ "عرب بيزنس": في ذاكرة النوم

24 مايو 2016
الكاتب :  بقلم - هدير الجميلي
697 الزيارات

كم أحن إلى غرفتي العتيقة في بيتنا الطيني الذي بناه والدي قبل ولادتي، يمتزج التراب الأحمر بمجموعة ذهبية من القش يزيدها الماء لمعاناً. كان حريصاً على جعل الخليط متجانساً حتى يكون بناء البيت محكماً ومتيناً، الزمن الجميل ولى والبساطة التي تميز قلوب البشر أصبحت اليوم شحيحة.

لا أدري هل الحياة تعقدت أم أن قلوب البشر هي المهترئة! يُستعصى عليّ الأمر كلما حاولت نفض غبار الليل عن مقلة النهار.

ألج إلى سريري مترنحاً كي أحتسي نوماً عميقاً، لكنه لا يقبل صداقتي، أنتظر وحيداً ساعة الصفر وأتذكر استيقاظ أهل القرية، كم أحب نفيرهم إلى الحقول كأسراب الحمام إلى السماء، يفترشون بساط القمح ويهبون مع الهواء يغربلونه ذات اليمين والشمال.

كُتبي التي جالستها وحدتي طويلاً أعرضتْ عن محادثتي هذه الليلة، أكوام من الأوراق تضج بها سلة المهملات، وأقلام قفزت أغطية رأسها بعيداً تبحث عن ملاذ آمن، فقد سئمت لعب أصابعي. 

يكاد ملل هذه الليلة يقتلني؛ فلا حبيبة أُشكوها أو أُعاتب صدودها، فقط معلومات وأرقام بلهاء أحشو بها رأسي، وأدوات هندسية اتخذت مقاعد بالية في غرفتي، مخطوطاتي الهندسية افترشت أرضية الغرفة وضربها النعاس، تتراءى لي كبحر يحمل سفن شوقي لأهلي ووطني.

صديق واحد فقط هو من أفتح له صندوق أسراري وأبوح له بكل ما أشعر به، زميلي الذي فارقني دون رجعة قبل سنة من اليوم، فقد قرر فجأة أن يذهب، سكنتني لحظات من الحزن العظيم على فراقه الأليم.

صباح جديد بملامح أخرى، يمر الوقت سريعاً وأنا أجهز طعامي، أقلبه بكسل حتى كاد يحترق، أسكب على مهل كوباً من شاي يذكرني بأمي ولون عينيها الشاسعتين، قطعة من خبز (التوست) لم تنسني طعم رغيف الخبز الذي كانت تخبزه، كثيراً ما كنت أبحلق فيه، كانت تفتح شهيتي الفقاعات الجميلة التي تزينه كقباب المساجد.

أنهض وكل ما في المكان يتململ معي ويرتب نفسه، حتى مشط شعري وعلاقة ملابسي، ما كان ينقصني إلا أن أتنفس هواء نقياً يعيد إلى جسدي الهزيل ملامحه.

عدوت في شوارع المدينة الباردة بثقة؛ فالمدينة هنا تعج بالنشاط منذ ساعات الصباح الأولى، وصلت محطة المترو وعيني تتجول في المكان حولي، أرصد عدد الواقفين والمارين، أنظر إلى من اتخذوا الرصيف مصدراً لرزقهم وتنمية لمواهبهم الدفينة.

فتاة تضم إليها كتبها، يتمايل جسدها الغض مع نبض خطواتها الرشيقة، وشعرها المنسدل يروي حكايات لألف ليلة، عيناها الساحرتان تذكراني بعمق البحر حين يغرقنا لحظة صفاء، تابعتها إلى المقعد المقابل لها، جلست وعيناي لا تفارقانها لحظة. في آخر محطة وفي زحمة المكان والناس فقدتها، فقصدتُ جامعتي وأنا كالمسحور، جلست في مقعدي فقد حان موعد المحاضرة الأولى، أنصت كعادتي إلى مدرس المادة وأنا لا شيء يملأ فراغ عقلي سواها.

تمنيت أن أصادفها في اليوم التالي، بحثت عنها بتأنٍ في محطة المترو، ولكن لم يحدث، فتابعت إلى محاضراتي لأيام، إلى أن قفز إلى أذني صوت ملائكي يسأل المحاضر، جُلت بنظري باحثاً عن مصدره فإذا هي هي، واقفة كغصن خيزران غطى على جمال الكون، شعرت بتيار كهربائي يسري في جسدي ويهز أعماق روحي، لم أصدق أن هناك ملائكة تمشي على الأرض وتخالط البشر، وما إن انتهت المحاضرة حتى ركضت أعبر من بين مقاعد القاعة محاولاً الوصول إليها، تعثرت وكدت أن أقع لولا أن تلقفت بيدها يدي، اعتذرتُ لها عن تصرفي غير المقصود بأدب جم مغمس بكثير من الخجل وأنا ذائب في عينيها.

لم أعد وحيداً، ما عدت أكره الأرق أو أباتُ ألعنه، ومع الكثير من اللقاءات توطدت العلاقة وسكنت قلبي وسكن، كنا نشتاق لبعضنا بعد أن توحدت روحانا، وطفقنا نقطف أحلاماً كثيرة لكي نحققها حال العودة لبلادي وهي معي.

بين ذراعيها تتمايل طرباً كل أحاسيسي، وتهيج في بحر حسنها سفني، ما أجمل شعور جريان الهواء على مسامات نبض عاثت فيه الوحدة خراباً واختناقاً.

 في يومٍ دعوتها إلى شقتي الصغيرة، لم تحبها لكثرة الكركبة التي نالت من كل ركن وزاوية فيها، قلبت ما على مكتبي من أوراق وكتب فسقطت من بينها صور لصديقي الوفي، فركت عينيها جيداً وتمعنت بدهشة خنقت صرخة مجلجلة، نظرتُ باستغراب وبله محاولاً الفهم، بعد لحظات فهمت أن صديقي الذي فارقني وكنت سبب موته هو نفس الشخص الذي أحبته قبلاً، قتلته عندما أهملت كعادتي إصلاح سلك كهربائي كان مستلقياً على أرضية الغرفة، قمت يومهاً باكراً فلم أجد ماء في الصنبور فتركته مفتوحاً وخرجت للجامعة، وعندما استيقظ هو بعد خروجي، وبمجرد وضع قدميه على الأرض الغارقة بالماء تجمد في مكانه مرتعشاً، ومن سوء حظي أني أخبرتها الحكاية كلها، بلحظة انقلبت تلك الحمامة الوديعة إلى أفعى ضخمة تحاول ابتلاعي وحقن أوجاعها السامة في جسدي، هاجمتني بشراسة، بحثتُ عما أدافع به عن نفسي فلم أجد سوى حرف ملغوم انغرس في قلبها وهي تسقط فوقي وبيدها سكين.

وتركت فوضى غرفتي تسيح فيها الدماء، وعدت إلى بيتي الطيني. 

كانت الشمس قد غمزت شباكي حين استيقظت على لكزها تنبهني أن الفطور جاهز، وأن علينا أن نعجل كي لا نتأخر عن العمل..

 

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top