اعتمد المهندسون المعماريون لزمن طويل على المواد "الصلبة"، مثل مواد البناء والألمنيوم و #الزجاج، والتي اختيرت بصفة خاصة لمنع دخول عناصر البيئة الخارجية إلى داخل المنازل، وكان هذا ولا يزال الهدف الرئيسي، بحسب موقع "Futurism".

إلا أنه قد آن الأوان لإعادة التفكير في هذا النهج. فبيئتنا المبنية الحالية تبدد الكثير من المياه العذبة وغيرها من المصادر الهامة الأخرى، وتنشر العديد من المواد السامة في العالم من حولنا.

إن بنايات اليوم "تغلف" وتعزل أماكن معيشتنا وعملنا بدرجة غير مسبوقة، ففي العديد من #المكاتب، لم يعد ممكنا فتح النوافذ يدويا.

كما أن أنظمة تكييف الهواء الأوتوماتيكية صممت لتكبح جماح حرارة الصيف. إن مثل تلك المباني تتجاهل عملية التمثيل الغذائي، التي هي الأساسيات الديناميكية لنظم الحياة.

المركز الأخضر

وخلال سبعينيات القرن الماضي، قام كل من جون ونانسي جاك وجاك تود وويليام ماكلارني بتأسيس معهد الكيمياء الجديد، الذي أصبح الآن المركز الأخضر في كيب كود في ماساتشوستس، وذلك لإعادة النظر في مساحات البناء كجزء من النظام البيئي البشري المستديم ذاتيا.

فتلك الفراغات لن تكون مغلقة بإحكام، بل ستكون مفتوحة بما يسمح بتدفق العناصر الطبيعية للداخل. وقام معهد الأبحاث بتجربة دمج مجموعة من الأنظمة المستدامة مثل الطاقة الشمسية والزراعة العضوية وتربية الأحياء المائية وتصميم المأوى الحيوي، الذي يسير جنبا إلى جنب مع تحقيق النفاذية في هذه المساحات المعيشية. وأشارت النتائج إلى تحقيق خطوة واعدة على الطريق إلى الأمام.

وفي السنوات الـ20 الماضية، طور المهندسون أنواعا مختلفة من مواد الإنشاء العضوية، التي تتسم بمختلف درجات النفاذية. إن Mycotecture، أي اللبنات المعمارية التي يتم تشكيلها من المواد الليفية في الجذور الفطرية - تعتبر قوية مثل الخرسانة، وعازلة مثل الـ"فايبرغلاس".

كائنات حية دقيقة

كما تتكون قوالب طوب الـ"BioMASON"، من كائنات حية دقيقة، وهي ليست بحاجة لحرقها بالنار، مثل الطوب العادي، فضلا عن أنها قوية مثل مواد البناء التقليدية. ويتم إنتاج اللدائن الحيوية باستخدام البكتريا، بواسطة الغاز الحيوي من مدافن القمامة ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي. وبما أن اللدائن الحيوية ليست مشتقة من البترول، فإن بها آثارا أقل من الكربون. ويتم "استزراعها" مثل الأخشاب لتخرج إلى الوجود.

وتسمح هذه المواد "الناعمة" بتنفيذ مجموعة مختلفة من الأشكال الهندسية والخصائص الهيكلية، التي لا يمكن تحقيقها في البناء التقليدي.

ولكن حتى عندما يستخدم البناؤون المُحدثون تلك المواد العضوية الجديدة، فإنهم يتعاملون معها بالدرجة، التي تسمح بتقديمها كواجهات "صلبة" إلى البيئة.

ويمكن معالجة السيراميك، بصفة خاصة، لكي يقدم أسطحا مرنة في المسطحات الحيوية، بمعنى تقديم مستعمرات كبيرة منسقة من البكتيريا أو الكائنات الحية الدقيقة الأخرى. ويمكن استزراع المسطحات الحيوية، بحيث تصبح ذات خصائص قريبة إلى الخلايا الشمسية أو دوائر الكمبيوتر.

وعند معالجة المسطحات الحيوية بالمانغنيز، يمكن أن تصبح مرشحا ينظم تدفق الهواء والماء إلى داخل مبنى.

توليد الكهرباء

وتجمع الفطريات أشعة الشمس وثاني أكسيد الكربون، لتنتج الكتلة الحيوية التي يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء. وتنظم الصهاريج الشفافة الحيوية أيضا درجة حرارة المبنى عن طريق امتصاص المزيد من أشعة الشمس وزيادة الكتلة الحيوية.

وفي هذه الحالة، لا ينفذ الماء من زجاج الصهاريج، ولكنه يسمح بدخول أشعة الشمس، وهذا نوع مختلف من النفاذية، فيما يعد أمرا حاسما فيما يخص التبادلات العضوية داخل الواجهة.

يقوم الاتحاد الأوروبي، بالمشاركة مع جهات أخرى، بتمويل مشروع العمارة الحيوية، وهو جهد مثمر لإنتاج نماذج عرض لتصميمات شبه نفاذة.

تحويل الحمامات والمطابخ

وعلى سبيل المثال، يهدف المشروع إلى تحويل الحمامات والمطابخ والأماكن التجارية إلى مواقع إنتاجية صديقة للبيئة. ويتم استبدال القطاعات الجدارية في هذه الغرف بمواد تتفاعل حيويا، وأنظمة تحتوي على الميكروبات القائمة بذاتها. وأن يكون هناك عدة أنواع من وقود المفاعلات الحيوية، أولها هو خلية الوقود، التي تحتوي على البكتيريا اللاهوائية لإنتاج الكهرباء والمياه النظيفة.

أما النوع الثاني فهو photobioreactor من الطحالب، التي تنتج الكتلة الحيوية للوقود أو الغذاء. والنوع الثالث فهو عبارة عن مفاعل حيوي صناعي، يمكن أن يصنع الكحول وغيره من المواد المشتقة من النباتات.

ولكن يراعى أيضا أن تكون جدران الـ"Bioreactor"، أي المفاعل الحيوي، قوية بحيث تخدم كفواصل داخلية، وتكون في نفس الوقت نشطة، لكي تؤدي أجزاء وظيفية حياتية أخرى داخل المبنى.

توليف منظفات جديدة

ويمكن إعادة تدوير مياه الصرف المحلي من المنظفات والأسمدة لإنتاج السماد للحديقة، وتوليف منظفات جديدة حيوية قابلة للتحلل، وذلك فقط من المياه الرمادية (المياه الناتجة عن استخدامات غسالات الملابس والأطباق وأحواض الاستحمام) وثاني أكسيد الكربون وأشعة الشمس.

ويمكن أن تولد المفاعلات الحيوية في المستقبل إضاءة حيوية، وتنتج المكملات الغذائية غنية بالعناصر المفيدة، والتخلص من إشكالية مركبات الأستروجين مثل مركبات ثنائي الفينيل (PCBs) المستخدم في تكرير المياه الصالحة.

وفي الأماكن التجارية، يمكن للجدران الحية تدوير المياه، وتخصيب أسطح المباني الخضراء، وتنقية الهواء لجعل بناء الديكورات الداخلية أكثر صحة، وأكثر شبها بالبيئة الطبيعية.

ولا تزال مشروعات العمارة الحية في مرحلة النماذج الأولية. ولم يتم بعد إنتاج مدخلاتها ونواتجها بكميات تجارية. ولكن يتوقع القائمون على هذا المشروع أن تنتشر أنظمة الحوائط، التي تكون عبارة عن مفاعلات مدمجة في البيوت الحقيقية خلال 10 سنوات قادمة.

ويعزز مشروع العمارة الحية احتمالات نشوء علاقة جديدة نشطة بين المباني والعمليات الطبيعية على وجه الخصوص. وربما يمكن تطوير طرق جديدة للتعاطي مع العالم الحي جسديا وبيولوجيا وميكانيكيا وحتى كهربائيا.

كما سيسمح كسر الحاجز بين داخل وخارج المباني بتخطيط تدفق الموارد الحيوية مثل المياه والمعادن. وستثمر النتيجة النهائية عن نوع من التمثيل الغذائي الصناعي في البيوت والمباني التجارية والمدن – بما يسهم في تحقيق أمل، طال انتظاره، في علاقة تكاملية بين العالم المُشيد والعالم الطبيعي.