لم يُعرف رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان الحالي، بأيّ لون سياسي فاقع، أو حتى باهت. ودائماً حين كان يُذكر اسمه كمرشح لمنصب سياسي، وزارياً كان أو رئاسياً، كان ذكره يقترن بأنه تكنوقراطي كفؤ أدار عجلة المنصب المالي بنجاح في ظل ظروف اقتصادية، داخلية وخارجية، غير ملائمة على الإطلاق. صحيح أنّ انتقادات محقّة كثيرة طالته كما طالت دور المصارف في الاقتصاد اللبناني. لكنّ هذا لا يغير الحقيقة القائلة إن الرجل الذي تولى حاكمية المصرف في 1993 إنما جُدد له مرة بعد أخرى بسبب كفاءته من ضمن تركيبة الاقتصاد المذكور والدور المركزي للمصارف فيه.

أما في ما يتعلق بـ«حزب الله» تحديداً، فأيضاً لم يُعرف سلامة بأي عداء له أو حقد عليه، لا بل استطاع أن يتعايش مع موقع الحزب ونفوذه منذ توليه حاكمية المصرف.

ما الذي حصل في الأسابيع الأخيرة؟ تزايدت الضغوط الأميركية والغربية على لبنان، واضعة إياه بين خيارين صعبين: إما الاستمرار في الاستجابة لرغبات الحزب المصنف إرهابياً، وإما التعرض لعقوبات مالية قاسية تضع لبنان خارج الخريطة المصرفية في العالم.

ولأنّ رياض سلامة، أو أيّ شخص آخر في مكانه، لا يتحمّل مسؤولية التسبب في تجويع اللبنانيين، وفي وضع بلدهم على هامش الحياة المصرفية، فقد صدرت عنه مواقف وإجراءات أهمها إقفال 100 حساب مصرفي مرتبط، على نحو أو آخر، بـ«حزب الله»، تطبيقاً للقانون الأميركي (اقرأ: الكوني) الخاص بمكافحة الشبكة التي تمول الحزب.

كذلك أكد سلامة، في معرض تفسير مواقفه، أن «البنك المركزي اللبناني يعمل لتنفيذ القانون، وأنّ الأولوية هي لإبقاء لبنان على الخريطة المالية الدولية»، وأضاف: «لذلك اتخذنا قراراً بتنفيذ القانون، وأرسينا البنية اللازمة لتحقيق أهدافه، وفي الوقت عينه ضمان حقوق الشيعة في الولوج إلى المصارف».

وما لبثت أن هبت على رياض سلامة عاصفة الويل والثبور المعهودة. هكذا خُون الرجل، وبات أمنه الشخصي موضع قلق، فيما شرعت الأصوات الإعلامية القريبة من الحزب تتحدث عن دخول طور جديد هو «المقاومة المالية والنقدية». وبالفعل، وفي هذا السياق، كان الانفجار أمام مدخل بنك لبنان والمهجر الذي سبق أن هاجمه المقرّبون الإعلاميون من الحزب لأنه الأكثر تشدداً في رغبته تطبيق المطالب الأميركية!

وقد يكون من المبكر الحسم في الوجهة التي قد تفضي إليها هذه الحملة المستعرة على سلامة، ومدى قدرة النزعة التسووية اللبنانية على امتصاص الأزمة. لكن شيئاً واحداً يبقى مؤكداً: ذاك أن الحزب فتح جبهة جديدة ضد سيادة لبنان ومصالح اللبنانيين تضاف إلى الجبهات الكثيرة المفتوحة.

فممنوع على هذا البلد أن يكون له رئيس جمهورية، وممنوع عليه أن يكون له جيش قوي، وممنوع أن يقرر أمور حربه وسلامه، وممنوع أن تكون له سياسة خارجية لا تلبي رغبات الحزب كما يتطلبها دوره الراهن في الحرب السورية. لكن قائمة الممنوعات أطول من العناوين المذكورة والخطرة: فهو ممنوع أيضاً أن يراعي مصالحه الاقتصادية مع البلدان العربية، لاسيما بلدان الخليج التي تستقبل عمالته، وممنوع أن يراعي مصالحه مع بلدان العالم ذات التأثير في اقتصاده.

وفي نظرة إجمالية إلى هذه السياسة يتبدى أن المطلوب في آخر المطاف تحويل لبنان إلى بلد فاقد لكل شيء، مستعد أن يطأطئ عنقه تابعاً ذليلاً للمشروع الإيراني في المنطقة. أما أكثرية اللبنانيين الساحقة التي لا ترى رأي «حزب الله»، فمحكوم عليها أن تتحمل تبعات سياسته على حياتها من غير أن تملك في مواجهة ذلك إلا الصبر.

نقلاً عن الاتحاد