لم أسمع، ولم أقرأ بياناً أو احتجاجاً يستنكر استمرار الفراغ الرئاسي، ويوجّه اللوم والمسؤوليّة إلى الأمم المتحدة أولاً، ثم إلى الولايات المتحدة، ثم إلى الجامعة العربيَّة، ثم إلى الشعوب اللبنانية المستكينة، الصامتة، المغلوبة على أمرها، ثم إلى المسؤولين والمتزعِّمين، وأولئك ترنُّ أصواتهم بالتهديد والوعيد لأسباب شتّى... ليس بينها أيُّ ذكر للاستحقاق الرئاسي.

لا المعارضة موجودة. ولا الموالاة لها مكان أو مطرح أو كلمة. فكلٌّ يغنّي على ليلاه. وكلٌّ يفتّش عن مصالحه وكيف يخدمها، وكيف يفيد ويستغلُّ فرصة الفراغ والتسيُّب والفوضى.

لم يعد في لبنان ثمة شعب واحد. هذا على افتراض أن الشعب الواحد كان يوماً موجوداً. ولا مكان لما يُسمَّى الرأي العام. لا اليوم، ولا في أمس الذي عَبَر. ولا حتى في الزمن الأول للبنان المستقل، لبنان الجمهوريّة، لبنان الديموقراطيَّة، لبنان الواحد.

ليس من عبث، ولا رغبة في فشة خلق، كانت غضبة الشيخ الرفيق سعيد تقي الدين، وكانت مقولة "اكتشفت بغلاً يدعى الرأي العام". وفي الخمسينات، يوم كان الاستقلال والديموقراطية لا يزالان طريّي العود.

فكيف لو كان بيننا اليوم في هذه "الغابة الخلاقة"، التي تعجُّ بالفساد والفضائح، والدائمي العطش والجوع إلى المكاسب والمناصب، ولا هوادة؟ تراهُ ماذا كان سيقول؟

كان قفل راجعاً إلى الفيليبين قبل أن يفتح حقائبه.

لا شيء يحرّك هذا اللبنان، وهؤلاء اللبنانيّين سوى المصلحة. سوى التكسُّب. سوى الربح. سوى المال: رنّوا الفلوسَ على بلاطِ ضريحه / وأنا الكفيل لكم بردِّ حياته، قال خليل مطران في وداع أحد "أبطال" جمع "التكّات" (جمع تِكّ عثماني).

لا صوتٌ احتجاج يعلو. لا تجمّعٌ نيابيٌّ يجرؤ على بقّ البحصة، بخصوص اختطاف الاستحقاق الرئاسي. ولا طرح الصوت على الأمم المتحدة، والدول الكبرى، والدول الصديقة. ولا خطر لوفد من النواب ومتصدِّري الصفوف الأولى القيام بزيارات إلى الروسيا، إلى أميركا، إلى بريطانيا، إلى الصين والهند والسند، إلى أرجاء الأرض حاملاً "عرض حال" مخجلاً وظالماً، مع شرح كل ما يحصل، وما لا يحصل: سيري فعين الله ترعاكِ...

تنافس على المصالح، والحصول على أكبر عدد من مصادر الأرباح. تنافس على كل شيء.

هذا كل ما حصل ويحصل وسيحصل في هذه الفترة الحرجة، وإلى أن يفرجها الله، ويحنُّ على لبنان برئيس ابن حلال، خلوق، عفيف النفس، كبير العقل والقلب، صاحي الضمير، وعينه لا تغفو ولا تتجاهل الأيدي الممدودة بوقاحة الى المال العام والمصلحة العامة...

كنا نقول بكثير من الاعتزاز أن وجود المعارضة ضروري لإكمال شخصيّة النظام الديموقراطي واللعبة البرلمانيَّة.

لم يبق شيء من لبنان الزمن الجميل. وَيْنُن؟

*نقلاً عن صحيفة  النهار