مع فشل مشروع الاتحاد العربي الذي أفشله صدام حسين بغزوه الكويت، وفشل مشروع الاتحاد المغاربي الذي أفشله بتعمد القذافي التدخل الشرير في شؤون جيرانه وتوجهه لافريقيا لإفشال مشروع الوحدة الافريقية، شن بعض الثوريين العرب حملات شعواء بقصد إفشال مشروع مجلس «التعاون» الخليجي بحجة ان المشروع لم يحقق بعد سنوات من نشأته الوحدة الاندماجية الخليجية، وكان مؤسفا ان يردد بعض الساسة والإعلاميين الخليجيين تلك المقولات المحبطة التي لا تستهدف على الاطلاق مصلحة دول الخليج.

وكان ردنا عليهم في المقالات واللقاء الإعلامية التي تصاحب كل قمة خليجية، ان الاستعجال بالوحدة الاندماجية هو ما أفشل الوحدة المصرية ـ السورية التي صوت لصالحها 99% من السوريين إلا انهم نكصوا عنها وأيدوا الانفصال عندما نقل الرئيس عبدالناصر مشاريع التأميم والاشتراكية وديكتاتورية الرأي الواحد لسورية الديموقراطية والرأسمالية آنذاك، بحجة ان هذا ما هو مطبق في مصر، وهو نفس الأمر الذي اكتشفه دعاة الوحدة العربية في الكويت بعد غزو صدام عام 1990، وقيام جلاوزته بمحاولة تطبيق شرور بلدهم من قتل وقمع وتعذيب ومقابر جماعية وتأميم ممتلكات على الكويت، وهو أمر طبيعي، فالدولة الاندماجية تطبق فيها قوانين حكم واحدة (الاستثناء هو الاختراع الصيني البديع لهونغ كونغ المسمى بلد واحد ذو نظامين).

ذكرنا ومازلنا ان الوحدة الاندماجية الخليجية المستعجلة ستضر بأكثر مما تنفع لأن فرض نظام سياسي واقتصادي واجتماعي واحد على الدولة الخليجية الواحدة له سلبياته للتباين الشديد القائم بين أنظمة سياسية تأخذ بالديموقراطية كمنهج سياسي وأخرى تأخذ بنظام الشورى وثالثة تلتزم بشكل مختلف، والحال كذلك مع الجانب الاقتصادي، حيث تعتمد دول خليجية لا موارد طبيعية لديها، على نظام الضرائب على الواردات لتمويل ميزانيتها، بينما تقوم دول أخرى بالعكس من ذلك تماما كونها تعتمد على انها مراكز مالية لا ضرائب فيها.

وعلى الجانب الاجتماعي هناك فروقات شديدة بين دول خليجية شديدة المحافظة ودول أخرى شديدة الانفتاح والليبرالية، لذا فتطبيق أحد النظامين شديد المحافظة أو شديد الليبرالية بشكل سريع على جميع دولنا سيخل بتوازن المجتمعات المعنية.

في الخلاصة، لقد حقق مجلس التعاون الخليجي الكثير من الانجازات عبر خطواته «التعاونية» والوحدوية المتدرجة، والأهم هذه الأيام هو ضرورة قيام تحالف عسكري خليجي فاعل نشهد مناوراته العسكرية كل عام، قريب من حلف الناتو في عمله لحماية كينونة وبقاء الدول الخليجية، ويجب أن يتلو ذلك على المدى المتوسط وحدة أو تقارب اقتصادي، ثم على المدى البعيد وحدة سياسية تقوم على دولة واحدة ذات أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة، وهذا ما تم في الاتحاد الأوروبي أي وحدة عسكرية ثم اقتصادية ثم سياسية، وليس العكس كما يطالب بذلك الثوريون العرب الذين أفشلوا كل مشروع وحدوي عربي تحت رايات وشعارات أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة (رسالة فحواها الحقيقي قتل كل العرب بشكل متساوٍ وتدمير أوطانهم وتهجير أبنائهم).

آخر محطة: تظهر الاستفاءات تقارب أعداد الداعين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع الداعين لبقائها، وسبب الإشكال هو عدم اقتناع قطاع كبير من الشعب البريطاني باستحقاقات الوحدة ورفضهم لفكرة التزام بلدهم بقوانين الاتحاد الأوروبي فيما يخص الهجرة وغيرها، حتى وصل الأمر ببعض الداعين للانفصال لاتهام الحكومة البريطانية بأنها تقوم بما تقوم به ـ عادة ـ أنظمة دول العالم الثالث، أي التلاعب بأعداد المسجلين للتصويت في 23 يونيو الجاري، وتوعدوا باللجوء إلى المحاكم البريطانية لإبطال وإلغاء نتائج الاستفتاء إن لم يأتِ لصالحهم!

*نقلاً عن صحيفة الانباء