سارة السهيل تكتب: طاقات الكلام بين التحليق والانهزام

06 سبتمبر 2016
الكاتب :  سارة طالب السهيل
459 الزيارات

تفعل الكلمة الطيبة بالإنسان فعل السحر على قلبه وعلى روحه، فتغسله من همومه وتطهره من أية كبوة نفسية يمر بها تمامًا كما يتنزل المطر على الأرض الجدباء فتنبت وتموج بالخضرة والرياحين المنعشة.

وفي المقابل، فإن الكلمة السلبية تهبط بطاقة الإنسان الروحية من أعلى لتصيبه بالاختناق والاكتئاب وتشعره بعجزه وفشله وتحبط كل مقومات القوة النفسية لديه لإنجاز أي عمل.

ولشدة تأثير الكلمة الطيبة والسلبية على الإنسان فقد ضرب الخالق العظيم بها المثل وأجرى عليها التشبيه في محكم كتابه بالشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة.

فالكلمة الطيبة تجري في قلوبنا كبلسم يداوي الجراح، بينما تفعل الكلمة السلبية فعل سم الأفاعي فتسمم عقولنا وأرواحنا وتعطل ملكاتنا الروحية والعقلية.

المفردات هي تعبير عن المشاعر والأفكار، وهي بحد ذاتها طاقة حسب علم الفيزياء. ولأن البشر مستقبلون ومصدرون للطاقة, فهم يتأثرون بطاقة الكلام؛ فتصل إليهم المشاعر عبر مفردات الكتابة والحديث.

فن الكلام وانتقاء العبارات هو من أهم المهارات الاجتماعية، وهو عامل أساسي أيضًا في بناء جو أسري سليم، وحتى في إطار العمل؛ فنجاح أي علاقة يحتاج إلى الصدق أولًا، ومن ثم فن التعبير عن النفس بالكلام والأفعال؛ حتى إن بعض الأفعال يتم شرحها وتبريرها بالكلام. على سبيل المثال: من أخطأ في حقك بفعل من الممكن أن يزيل أثر فعله السيئ إذا تم تبريره بكلام مقنع، ومن هنا جاء الاستماع إلى أقوال الجاني في المحاكم قبل أن يحكم القاضي عليه حكمه النهائي؛ حتى في العلاقات الإنسانية نجد الزوجة تغفر للزوج الكثير من الزلات عندما تسمع منه عبارات الندم أو عبارات المحبة والتعبير عن التقدير والاحترام، وكما يقول المثل "المرأة تعشق بأذنيها".

وليس صحيحًا أن الرجل يعشق بعينه، فكم من جميلات لم يستطعن الاستحواذ على قلوب أزواجهن؛ بسبب فضاضة اللسان وعدم لين الكلام، فحنان المرأة له ترجمان بأن تصفح عن حبها كما يغني الكروان. وخلال كتابتي هذه السطور وجدتني أستعيد حديث إحدى صديقاتي حين ذهبت إلى طبيب الأسنان لخلع ضرس وهي تتألم بشدة منه، لكن خوفها من خلع الضرس كان أقوى من الألم، لكنها صارحت الطبيب بخوفها الشديد؛ فما كان منه إلا أن ألقى بالكلمات الطيبة على مسامعها، فهدأ من روعها واستجابت لعملية الخلع دونما أي ضرر نفسي بعدما أزال الطبيب بالكلمات الحانية مخاوفها وخرجت من عنده متجاوزة لحظة الضعف الإنساني التي أصابتها من ألم الأسنان اللعين.

وحادثة مشابهة لصديقة أخرى قد أجرت عملية استئصال المرارة وكانت خائفة جدًا من الجروح، ولكن الطبيب بالرغم من كفاءته العملية؛ إلا أنه فشل في احتوائها نفسيًا، فكانت ترفض العلاج والالتزام بالتعليمات، وأصبحت ترى الجرح أكبر من واقعه بأضعاف؛ لأنه كان يشرح لها تفاصيل مخيفة عن كيفية إجراء العملية واستخدم عبارات مثل "جرح" و"دم" و"مكبس" و"قطب"؛ فكنتُ وأنا أستمع لها أسأل نفسي: لِمَ لمْ يستخدم الطبيب عبارات مثل "شفاء" و"راحة" و"سَكينة" و"معافاة"؟!

كما إنني أحتار كثيرُا بتقييم الجهل بالتربية عند الكثير من الأهالي في عصر التكنولوجيا وسهولة الحصول على المعلومات وما زال هناك أهل يرددون على مسامع أطفالهم "أنت غبي" أو "أقطع يدي لو أنت نجحت" أو "أنت عمرك ما تصير بني آدم".

فكيف يحددون مصير الطفل قبل أن يبدأ حياته ويزرعون بنفسه الحزن وعدم الثقة بالنفس، فهو يشعر بأنه لا شيء؛ لأن من قام بتقييمه هو مثله الأعلى وأقرب الناس إليه ومصدر الأمان له، لذا سيصدق، بل وعقله الباطن واللاواعي سيطبق ما سمعه وما تردد أمامه وسيصبح الطفل فعلًا غبيًا ولن ينجح.

ليس فقط الكلام الذي تسمعه من الآخرين، بل الكلام الذي تقوله لنفسك؛ فكثير من أصحاب العمل أو التجار يتذمرون طوال الوقت ويتنبؤون بالخسائر فيجدونها أمامهم، وبعض منهم يقول هذا لدفع العين والحسد ونسي قوله تعالى "وأما بنعمة ربك فحدث"، والبعض الآخر يخسر مرة، وهذا أمر طبيعي، فتجده يصف حياته كاملة من خلال موقف واحد. وكذلك الأمر مع السيدات، ربما تفشل في خطوبة أو مشروع عمل فتصف كل حياتها في الفشل؛ فمن قال إن هذه المرحلة الزمنية هي كل حياتك لتدمجي باقي عمرك معها، فترددي على نفسك عبارات الإحباط والتشاؤم متناسية أنك بهذا تحكمين على نفسك بالموت البطيء.

لماذا لا تقتنعون أن نفسك من الداخل تسمعك وتصدقك؛ فقولوا لها قولًا طيبًا، حفزوها وأكرموها وامتدحوها، بل وأحبوها وأرسلوا لها العبارات الإيجابية لتصيغ لكم بدورها من العبارات التي ترسلونها حياة تستحقونها؛ فأجمل الكلمات تلك التي ترسم ابتسامة على وجوه مستمعيها وتبشر بالأمان وتزرع الأمل وتوقظ الأحلام وتخلق الفرح والسعادة وكأنها ترسم قوس قزح في السماء وتشرق شموسًا في ليالي ظلماء وتهطل مطرًا في قفاري جرداء، كالورد تأتي مع ضيف عزيز.

ولعظمة تأثير الكلمة الطيبة على الإنسان فإنه يؤجر ويثاب عليها كما علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله بقوله: "الكلمة الطيبة صدقة".

ما أجملنا حينما نكون مصدر الهدوء النفسي والسكينة والراحة للمتألم والحزين، وعندما نعطي الأمل  لليائسين، ونحيي بكلماتنا روح التفاؤل وانتظار الأفضل بالإيمان بالله وأن القدر لا يريد لنا إلا الخير؛ فيتقوى الضعفاء من الداخل، مما يشكل لهم حافزًا للعمل والتغيير، خاصة الأطفال والمراهقين الذين ما زالوا في طور التنشئة والنمو؛ فيكبر بثقة بنفسه وقدراته ولديه روح تحب الحياة، فيصبح من معمري الأرض، فيبني لنفسه ومجتمعه؛ فالكلمات الإيجابية تخرج مكامن القوة والطاقة في الإنسان وتكسبه قوة نفسية على تجاوز أزماته في الحياة فيحقق نجاحًا مبهرًا، وقد تسهم في العلاج من الأمراض بسرعة تذهل الأطباء أنفسهم، بينما تترك الكلمات السلبية على متلقيها جروحًا لا تضمدها الأدوية؛ وذلك لما تحمله الكلمات من إيحاءات داخلية في سمع وعقل متلقيها تترجم إلى سلوك اجتماعي.

والعلوم الحديثة قد أثبتت أن الكلمات الخبيثة تحمل طاقة سلبية وتجرح الإنسان، وتسمى في عصرنا الحالي  "كلمات جارحة"؛ لأنها تسبب جروحًا حقيقية في الدماغ وتميت عدة خلايا أو تتلف عملها، مسببة نوعًا من العطل في التفكير، وهو ما يفسر لماذا يعاني الشخص المجروح آلامًا نفسية وشعورًا سلبيًا وإحباطًا قد يقوده الجرح إلى الفشل في العمل أو التعليم أو الزواج.

بينما تترك الكلمات الطيبة طاقة إيجابية في الدماغ وأثرًا كالذي يخلفه تناول السكر أو العسل، فيعتدل مزاجه ويقبل على الحياة بسلوك إيجابي.

ويؤكد علماء النفس أن الإنسان تؤثر فيه الكلمات،‏ فواحدة تسعده وتحلق به في السماء،‏ وكلمة أخرى قد تحطه أرضًا وتجلب له الشقاء‏. وفسروا ذلك علميًا بأن الكلمات الجميلة لها تأثير على بعض مراكز المخ التي تساعد على إفراز مادتي الأندروفين والنكيفالين اللتين تؤثران على مراكز الانفعال تحت المهاد وتؤثر بدورها على إفراز الغدد الصماء والجسم كله‏‏ فلا تجعله يشعر بالألم وتمده بالطاقات المتجددة‏؛ ومن ثم تساعد الكلمة الطيبة الجسم على استعادة وظائفه وتعمل على ضبط معدل الضغط لدى مريض الضغط وتضبط السكر في الدم، ومن كان في صدره ضعف أو ضيق في التنفس تجعله أكثر قدرة على التنفس، وغيرها من المشاكل الصحية.

ومعظم العلاجات الحديثة، سواء بدنية أو نفسية, تتعامل مع الطاقة, سواء طاقة المعالج أم المتلقي؛ وثبت علميًا أن أقوى ذبذبات في الكون هي ذبذبات المحبة، فالكلمة الطيبة تؤثر على الروح المعنوية للإنسان فتشرح صدره وتجعله متصالحًا مع نفسه ومع  الآخرين.

ومن أجمل الدلائل على قوة تأثير الكلمة الطيبة تجربة العالم الياباني أموتو  التي أصبحت من أشهر التجارب التي يقوم بها الأطفال في المدارس حول العالم، حينما وضع زجاجتين كل واحدة منهما تحتوي على  أرز مسلوق, وكتب على إحداها "أحبك" وعلى الثانية "أكرهك", وبعد شهر ظهر عفنٌ كثير على الزجاجة التي كتب عليها أكرهك, بينما كان العفن على الثانية أقل بكثير, وهكذا هو تأثير الكلمة الطيبة على قلوبنا؛ فمن يسمع طيب الكلام يكون قلبه نقيًا نظيفًا غير متعفن. فهل بعد هذه التجربة سيلقي أحد منكم على أهله وأصدقائه ما يتسبب لهم في العفن؟!

وكثيرٌ منا جرب أن يقرأ القرآن أو الإنجيل أو الدعاء على كأس من الماء قبل أن يشربه؛ إيمانًا بطاقة الكلام التي تغير شكل بلورات الماء إلى أشكال جميلة متناسقة فيشعر بالارتياح، حتى الموسيقى الجميلة والأغاني التي تحتوي على عبارات إيجابية تشعرنا بالسعادة والانطلاق؛ فمثلًا الأغاني الوطنية تشعرنا بالحماس، الأغاني الرومانسية بالسعادة، والأغاني الحزينة بالضيق، والكلاسيكية بالراحة والاسترخاء.

يؤكد علماء النفس إمكانية تغيير سلوك الناس من خلال الكلمة الإيجابية الطيبة، بإطلاق كلمات الثناء والتشجيع؛ مثل تغير سلوك الموظف المهمل أو الكسول عن طريق ذكر مزاياه وإيجابياته وبعض من أعماله، أو ذكر مواطن القوة في شخصيته؛ مما يُولّد لديه طاقةً إيجابية تبني لديه الدافع للتحسين ليكون أهلًا للثقة التي أُعطيت له، بدلاً من ذمه وذكر سلبياته، بينما يؤدي التذكير بسلبياته إلى هبوط الهمة أو ربما توّلد لديه حالة من العناد فلا نستطيع بعدها إصلاح ما يمكننا إصلاحه؛ و على ذلك فإنه يمكن زيادة الإنتاج عبر ما أطلق عليه "التحفيز اللفظي".

كما تقود الكلمة المشجعة اللطيفة عالية الطاقة إلى تهدئة النفوس المتشاحنة وتحقيق التآلف والمحبة بين الناس، على عكس الكلمة السلبية أو السيئة التي تزيد من أحقاد الحاقدين.

وأظن أننا جميعًا مطالبون بنشر ثقافة الكلمة الطيبة؛ لنملأ الكون بالطاقات الإيجابية التي تجعل كلًا منا سعيدًا فرحًا مرحًا وكأنه يطير في السماء من الصفاء الروحي بفعل طاقة كلمات الإطراء والثناء التي تلقاها؛ فنراه يمشي مزهوًا مقاومًا قوة الجاذبية الأرضية، فلا يشعر بها، ولنتخلَّ جميعًا عن الكلمات القاسية المدمرة -كالتوبيخ واللوم والازدراء- حتى لا يزيد ضعف هذا الإنسان فيمشي منكفئًا على وجهه هائمًا عاجزًا عن إصلاح ذاته ومجتمعه.

ونشر ثقافة الكلمة الطيبة يحتاج جهود الأفراد والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية والإعلامية لنتبادل فيما بيننا كلمات الشكر والثناء والتشجيع في حالات الوهن أو الابتلاءات، وأن نتجاوز نسبيًا عن أخطاء بعضنا حتى نستطيع تجاوز التذمر الذي يقودنا إلى إلقاء الكلمات القبيحة الغاضبة، وليبحث كل منا عن مكامن الجمال في الآخر فيبرزها له ويثني عليها؛ بحثًا عن الجمال فينا، خاصة وأن الله تعالى جميل يحب الجمال، ومن أبرز مظاهر هذا الجمال جمال الكلمات وطاقاتها الإيجابية؛ فهي من أسمى ملامح إنسانيتنا ورقيها وتحضرها.

فأنا أطالب بإطلاق حملات باسم "الكلمة الطيبة" ليتعلم المجتمع تغيير مفرداته، ومن خلال هذه الحملة يتم التأثير على وسائل الإعلام؛ بأن تتعامل مع الحملة على أنها علاج للعنف والاكتئاب الذي أصاب المجتمع من الأخبار السيئة التي تبث ليلًا نهارًا أمام مسامع الكبار والصغار، ناهيك عن سماع كلمة "قتل"، "سلاح"، "هجوم"، "اعتداء"، "حرب"، "احتلال"...

لا أنكر أنه واقعنا الذي نعيشه؛ ولكننا مسؤولون عن المستقبل الذي نصنعه نحن الآن، فتكرار هذه الكلمات على مسامع الأطفال لن يورثنا سوى مرضى بالنفس والجسد؛ فيجب على وسائل الإعلام مراعاة هذا الجانب والحد من نشر الجريمة وتعليم الناس طرقًا جديدة ومبتكرة والتفنن في السرقة والقتل والإجرام، فتكرار عبارات الإجرام أمام الأبرياء سيجعلها مألوفة ومستساغة، بل وطبيعية شيئًا فشيئًا؛ ومن هنا نطالب أيضًا وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ووزارة التربية والتعليم على تغير المناهج التعليمية والنصوص بما يتفق مع بيئة لفظية صالحة تبث الأمل والسعادة وحب الحياة وتزرع روح العمل والمثابرة والعطاء بدلًا من الانطواء والعزلة والتشاؤم.

كما إنني أقترح مراقبة النصوص الأدبية، خاصة تلك التي يتم تحويلها لأعمال درامية في الراديو والتلفزيون والسينما، وأن يتم منع أو حذف الكلمات البذيئة أو التي تؤثر على سلوكيات الناس وأخلاقيات المجتمع، خاصة الأغاني التي يتم إعادتها وتكرارها حتى يتم حفظها عن ظهر قلب في كل بيت؛ فهذه العبارات تلعب دورًا كبيرًا في تنشئة الأجيال وتعمل على العقل الباطن واللاوعي فتغير السلوك والمعتقد، سواء سلبًا أو إيجابًا، ولا يخفى على أحد أن بعض الأغاني الغربية تسببت في انتحار الكثير من المراهقين وانجرافهم وراء أفكار الموت والعنف والقتل والإرهاب، وبعضها يسبب الحزن والبكاء والألم والكآبة؛ مما يدفع إلى الفشل والإحباط، وأحيانًا الموت أو قتل النفس.

فيجب أن نراجع أنفسنا ونتساءل عن سر ازدياد نسبة القتل والإرهاب والفوضى والجريمة، وعن سر ارتفاع عدد المنتحرين، وعن سر ازدياد عدد المرضى النفسيين.

ما الذي تغير في المجتمع؟!

الإجابة من وجهة نظري لعدة أسباب، ولكن في إطار موضوع المقال سأقول لكم إن الكلمات أحد هذه الأسباب؛ فالكلمة الطيبة بدأت بالاختفاء مع انفتاح وسائل الإعلام وعدم مراقبة ما يبث وما يعرض على شاشاتها، وعندما فقدتْ الأسر القدوة الحسنة وأصبح العيب والغلط أمرًا طبيعيًا وكأنه شيء من التطور والتقدم، وعندما أصبح أولياء الأمور بحاجة إلى التأديب وتعلم الأصول قبل أن يعلموا أطفالهم، فتجد الأب يتلفظ بما لا يليق أمام أطفاله والأم تقذف العبارات الجارحة والصادمة على مسمع من الجميع؛ فيجب إعادة هيكلة شكل الأسرة العربية للعودة إلى الماضي المتقدم أخلاقيًا، بعيدًا عن الحاضر المتقدم تكنولوجيا المتراجع أخلاقيًا.

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top