تغريدة المستشار وهشاشة الأوضاع العربية

23 أبريل 2017
الكاتب :  محمد الحداد
271 الزيارات

أثارت تغـــريدة صغيرة نشرها وليد فارس، الذي عمل مستشاراً في الحملة الانتخابية لدونالد ترامب، موجة عارمة من التعليقات والتحليلات والردود، في تونس وليبيا بخاصة، بسبب تلميحه إلى إمكانية تحالف إسلاميّي البلدين لإسقاط الحكومة التونسية الحالية وإقامة دولة دينية. وليد فارس نشر بعد أيام تغريدة جديدة عبّر فيها عن استغرابه الشديد لردود الأفعال التي صدرت بعد تدوينته الأولى، نافياً العديد من التأويلات التي استنتجت منها.

كان يمكن لهذه الواقعة أن تروى على سبيل المزاح لولا أنها تؤشر في العمق إلى مدى هشاشة الأوضاع العربية، حتى أنّ تغريدة بسطرين يمكن أن تتحوّل إلى حدث وتهزّ بلداً بأكمله:

أولاً، استحكمت نظرية المؤامرة في العقل العربي إلى درجة أن أصبحت المحرك الأكبر لهذا العقل في التعامل مع كل ما يحيط به. فخلفية السيل من التحاليل المترتبة على التغريدة الصغيرة الإصرار على ربط كل الأحداث بعوامل خارجية، وقراءة كلّ شيء بمنطق المؤامرة، ولو كان بسيطاً وغير معبّر. أنّ وجود إسلاميين في تونس وليبيا يسعون إلى إقامة حكم إسلامي أمر معلوم ومفروغ منه، وكذلك وجود تحالفات وتقاطعات بينهم، ماذا أضافت تدوينة المستشار؟ البعض رآها إنذاراً بوقوع هذا الحدث، والإسلاميون رأوها بداية موجة تأليب عليهم واستعداء في شأنهم تعكس التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية. كأنّ التغريدة هي التي ستحوّل مجرّد احتمال نظري إلى حدث قريب وأن الولايات المتحدة تكشف عن سياساتها عبر «تويتر». كان الأجدى طرح السؤال منذ مدّة: ماذا يريد الإسلاميون في تونس وفي ليبيا وهل يمكن أن يتحالفوا على مشروع مشترك في بلدين يشهدان مصيرين متعارضين؟ ومهما كانت الافتراضات التي يمكن أن ينتهي إليها هذا السؤال المشروع فإنّ تغريدة المستشار لا تضيف إليها شيئاً، ما دمنا نتحدث عن مجرد احتمالات.

كان محزناً أن نرى «محللين» و «خبراء» يتسابقون في تحليل ما وراء الحدث وما بين الكلمات، مثل الكهنة الذين كانوا يزعمون فكّ الطلاسم. لقد تحوّل التحليل السياسي إلى ما يشبه نبوءات نوستراداموس، وليس الأمر بالمستغرب في ظلّ تردّي الأوضاع العربية وفائض إنتاج الأدعياء في كلّ الميادين، وتقلص التفكير الرصين والموضوعي لحساب التسابق المحموم في استغلال الفقاعات الإعلامية قصد الظهور والشهرة.

ثانياً، من خصائص نظرية المؤامرة أنها تحجب العوامل الذاتية في تفسير الأحداث لمصلحة المؤامرات المفترضة. تغريدة فارس تزامنت مع توسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في العديد من المناطق التونسية، بما يذكر بحدث 2010-2011 الذي دعي آنذاك بثورة الياسمين. فجأة تحوّلت الأنظار عن الاحتجاجات إلى تحليل السياسات الأميركية في المنطقة. مع أنّه لا غرابة في تلك الاحتجاجات لأنّ أوضاع الذين صنعوا الثورة لم تتغيّر منذ السنوات الست والحكومات السبع المتعاقبة منذ الثورة. طبيعي حينئذ أن تعود احتجاجات العاطلين من العمل وسكّان المناطق البائسة والأحياء الشعبية وكل الذين لم يغنموا إلاّ الوعود والأماني، ولا حاجة لفهم ذلك إلى الأيديولوجيا أو تحليل التغيرات الحقيقية أو المفترضة للسياسة الأميركية.

ثالثاً، إذا كانت تغريدة قادرة على أن تهزّ بلداً، فذلك مؤشر على هشاشته، أو على الأقل محدودية ما يدعى بالنموذج التونسي في العلاقة بين الإسلاميين والديموقراطيين، فهو لم يلغ التوجس المتبادل، عدا أنه قائم على خلط خطير بين التعايش والتحالف. فالتعايش أمر مطلوب باعتبار كل وطن متاحاً لجميع أبنائه ما لم يخرجوا على قوانينه ويتوسلوا العنف والإرهاب، أمّا التحالف فقد يصبح مكبلا للعمل السياسي إذا لم يقم على رؤية مشتركة حول إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتردّى إلى حيلة لاقتسام مغانم السلطة. استفاد الفصيل الأكبر من الإسلاميين التونسيين من سياسة التحالفات: تحالفوا مع اليسار ضدّ النظام السابق فوصلوا إلى السلطة وبقي اليسار خارجها، تحالفوا مع حزبين لتشكيل حكم «الترويكا» فانهار الحزبان وحافظوا هم على قوتهم، تحالفوا أخيراً مع الحزب الذي ربح الانتخابات ضدّهم سنة 2014 فانفجر الحزب ولم يبق منه شيء بينما قوي حزبهم. وفي النهاية، واصلوا الحضور في السلطة على مدى الحكومات الأربع منذ 2011 والحكومة التكنوقراطية الفاصلة بينهما التي كان لهم دور رئيسي في تشكيلها. كان على خصومهم أن يستنتجوا أنّ انتهازيتهم عندما اقترنت بالغباء السياسي لم تفتح لهم الطريق إلى السلطة، بدل أن يقنعوا أنفسهم أنهم كانوا ضحايا أوباما وأنّ ترامب سيصحّح الوضع وينقذهم. فالإدارة الأميركية منذ سنوات، وقبل مجيء ترامب، تتجه نحو شرق آسيا حيث الأسواق الاستهلاكية الضخمة، ورؤوس الأموال الخيالية، وحيث أيضاً التهديد الجدّي لكوريا الشمالية، وتدرك أن نجاحها الأكبر يتمثل في الضغط على الصين وترويضها للمساهمة في التخلص من كوريا الشمالية وتعديل سياساتها الاقتصادية بما يخدم مصالح الاقتصاد الأميركي. أما ما يحصل في العالم العربي فلا يمكن أن يرقى إلى هذه الأهمية الاستراتيجية. والحلّ الوحيد للمجتمعات العربية أن تخرج عن منطق التدمير الذاتي الذي حشرت فيه نفسها منذ سنوات وتتخلّى عن الأحلام والخطابات الثورجية لتحقيق المعقول ولعقلنة الفعل السياسي.

وفي ظل الفوضى الحالية، ستستوى كل الاحتمالات، ويمكن لتغريدة تطلق في مناخ الفراغ أن تهزّ بلداً وتصبح حدثاً سياسياً بامتياز. ولكن إلى متى؟ وما هي المكاسب؟ ومن المستفيد في النهاية؟

*نقلا عن صحيفة الحياة

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top