خريطة المواقف.. في برلمان الكويت

16 يوليو 2019
الكاتب :  عبدالله بشارة
73 الزيارات

مع حفل الوداع التي تحدث فيه رئيس مجلس الأمة بمناسبة انتهاء الدورة والعودة في شهر أكتوبر المقبل، ومع تأكيده أن أوضاع المنطقة تحتم علينا كبرلمانيين التصرُّف كرجال دولة وتحمل المسؤولية الوطنية، مشيراً إلى «أن قياس النجاح يكون بجودة الانجاز والمكتسبات لا بكثرة التشاحن»، ويضيف رئيس المجلس السيد مرزوق الغانم «أن الأوضاع تحتم على أعضاء الحكومة والمجلس التصرف كرجال دولة مؤتمنين على مصالح البلاد».. أنقل هنا ما جاء في صحف يوم الخميس الرابع من يوليو 2019، وأضع في هذا المقال بعض الملاحظات حول المسار الذي جرت عبره المداولات خلال الدورة الماضية، لا أجد حرجاً في البدء بتقييم المسلك الرئاسي في إدارة الجلسات وفي السعي لجعل الدبلوماسية البرلمانية تقترب كثيراً من الدبلوماسية التي تلتزمها الدولة. ففي هذا المنحى ليس لدي شك أن الرئيس مرزوق الغانم قد تجلى بشكل لافت للنظر في التصاق الدبلوماسية البرلمانية مع الثوابت التي حصنت الدبلوماسية الرسمية، وهي مجموعة مبادئ تجسدت في الخريطة التي تسيدت العمل الدبلوماسي منذ تحرير الكويت، وفيها يتعايش الردع الأمني مع المحتويات السياسية التي تمسكت بها الكويت منذ الاستقلال، وأبرز عناصر المحتويات الترابط الخليجي والتفاهم العربي المبني على الاحترام المتبادل وصون الدولة الوطنية والاعتراف بحدودها، وحل القضايا بالوسائل السلمية والحوار والتزام مبادئ ميثاق الجامعة العربية والأمم المتحدة. ونلاحظ أن المستجدات في الدبلوماسية التي تحرص الكويت ودول مجلس التعاون على أهميتها تتشكل في توافر الردع الأمني ضمن الأولويات، مع التأكيد على سيادة الدول الأعضاء ضمن حدودها المعترف بها وفق الاتفاقيات. قاد الرئيس مرزوق الغانم دبلوماسية المجلس مدركاً ضرورة استلهام ثوابت الدولة في دبلوماسيتها الخارجية، وأجاد في حمل دبلوماسية المجلس إلى الانسجام مع المسار الرئيسي للشأن الخارجي للدولة، وهو ما عزز التلاحم بين ديوان الخارجية وبين مكتب الرئاسة الذي كثيراً ما يستطعم المناصرة لحماية الكويت للقضية الفلسطينية، وبطاقة حيوية تميزت بها مداخلاته. ومن متابعتي للسلوك الجماعي للأعضاء، أعتقد أن عليهم أن يحددوا في كل اجتماع ضرورات السلوك بنهج رجال الدولة، حماية للمداولات من الانزلاق إلى التوهان الفكري واللفظي ومنها يتفجر التباعد ويتعاظم الانشقاق. بودي أن أشير إلى مفاصل التجمعات البرلمانية داخل القاعة، وهو موضوع يسهل على الباحث متابعة خطوط العلاقات بين الأعضاء، خاصة إذا اتجه نحو التقسيمات وفق الترابط المصلحي والتقارب الفكري: أولا: نلاحظ مجرى المجموعة المدينية - من المدينة- وهم معظم نواب الدائرة الثانية وبعض الثالثة، يتحدثون بلا حوض خاص بهم، فكل يسرح بما يراه مناسباً، بعضهم حاضر في كل طرح ثقة، وفي كل تشكيلة من الاستجواب، لكن أغلبهم يمارس الانفراد المسلكي بحدة، وقلما يصدر عن عدد منهم ما يوحي بتأييد مواقف الوزراء.. لا خطوط عامة تجمعهم ما عدا تآزرهم في مواجهة المسؤولين ومساءلة الوزراء، ويمكن أن تتحسن المواقف مع تكاثر الخبرة، وقد شدني بارتياح معارضة ثمانية منهم لمقترح تجنيس أربعة آلاف شخص دون البدء في التحقيق حول تزوير الجنسية وازدواجها. ثانياً: لا نخطئ بتشخيص التصلُّب القبلي بين الأعضاء الذين أتوا من عباءة القبيلة، فالمنطق يستدعي إبقاء قضايا القبيلة في الصف الأول من الاهتمام، وتسطع هذه الظاهرة مع طرح الثقة بوزراء قبليين أو مقربين، والملاحظ في هذه المجموعة متانة التكاتف الذي يترجمه الصوت العالي في قاعة المجلس دفاعاً واندفاعاً. وسيظل الموقع من دون تبدل في الممارسة فربما تختفي بعض الوجوه، لكن النهج سيبقى وقد يتعزز لأن القبيلة تمكنت في تأمين الموقع الانتخابي وحلَّت مكان الأحزاب. ثالثاً: هنا أشير إلى التعاضد المذهبي ويسجل هذا التجمع ثباتاً في المواقف وتنسيقاً بين الأعضاء وإيماناً بمنطق هذه المواقف، وعموماً لا أجد في هذه المجموعة الحدة المنفرة طالما بقيت المداولات في إطار جدل الاعمال، فهذه المجموعة تنفجر عند الشعور بتجاوز الخط المألوف سواء بالقرار أو بالألفاظ، وفيها شيء من الثبات في معالجة الاستجوابات، فلا تندفع إنقاذاً لأحد ولا تصرخ في وجه أحد، طالما أن الوعي حول صلابة الجبهة الداخلية طغى على الجميع، وطالما أدرك الجميع أن حوض الكويت ينبع من عطاء الجميع، ويخرج من الآبار الوطنية الجامعة من دون اعتبار للفئوية أو المذهبية. رابعاً: وهذه المجموعة هي التجمع الاسلامي الحدسي التي تحيرني ومعظم أبناء الكويت في جرأتها بالحفاظ على الانتماء للحركة الدستورية الاسلامية، فالمواقف التي تتبناها هذه المجموعة لا تنتمي إلى الرشد العقلاني وهو جوهر الاسلام، وإنما تنخرط في البحث وراء التسلُّط السياسي بعيداً تماماً عن مبادئ الاسلام في تناقض تام مع الروحية الدينية الأخلاقية. وشخصياً أنا أحترم الجانب الدعوي لجمعية الإصلاح وأقدر جهد الأخ الجليل خالد المذكور، وأرى فيه شيئاً غير متوافر لدى مجموعة حماس البرلمانية التي لا تختلف عن الآخرين في الجري نحو المكافأة السياسية واقتطاف ثمارها لتعويم قناعات هذه المجموعة. كان بودي أن تتبنى هذه المجموعة موقفاً منفصلاً كحركة دستورية كويتية لا علاقة لها بجمعية الاصلاح لأن الترابط يجر الدين إلى السياسة، وهما لا يجتمعان، الدين روحانيات وقيم ومواقف تتبناها، والسياسة ميدان التلوث وفضاء الصعلكة البشرية، فالرجل الخيِّر بعقل راشد ولائحة أخلاقية عالية لا تستهويه حبائل السياسة وشباكها الملوثة. لا أرى أن المجموعة الحدسية تعي حجم المتاعب التي تواجهها وأهم مؤشراتها تضاؤل قاعدتها الانتخابية، فالوعي المحلي لا يستوعب منصة للدروشة، بينما الممارسة الواقعية تبحث عن المكاسب، هذا الانفصام بين الواقع والفعل يضر بادعاءات الفضيلة. ويبقى الفضاء السياسي الكويتي عاجزاً عن الطرح الفكري الذي يخرج مناظرات سياسية، تغذي التجمعات المختلفة المسكونة بالهم العام، والتي تنجب رجال الدولة الذين يتحدث عن وجودهم رئيس مجلس الأمة في آخر خطاباته.

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top