النخبة الثقافية...لماذا فقدت تأثيرها في المجتمع؟

04 فبراير 2017
الكاتب :  القاهرة- آية ايهاب
254 الزيارات

لعقود طويلة ظلت الأعمال والإبداعية وكتابات كبار المثقفين تلعب دورًا محوريًا في تشكيل وجدان المجتمع والتأثير فيه، وصاغت أعمال كتاب مثل طه حسين، نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس، يوسف السباعي، يحيى حقي، محمد عبدالحليم عبدالله وغيرهم أفكار ووعي أجيال متواصلة، لكن في زمن لم يعد فيه للكلمة المطبوعة ذات التأثير الذي كانت عليه أيام هؤلاء المبدعين، تحوم الشكوك حول استمرار تأثير النخبة الثقافية الحالية في تشكيل وعي ووجدان المجتمع.. "عرب بيزنس" تواصل مع عدد من المثقفين وجاءتكم بأبرز ما قالوا.

 "تعدد الخلافات الشخصية بين المثقفين كان من أهم الأسباب التي أدت إلى عزوف الناس عنهم".. بهذه العبارة أوضح محمد شعبان مسؤول الصفحة الثقافية بإحدى الصحف المصرية سر تراجع تأثير المثقفين في مجتمعهم، موضحًا أن كثرة الخلافات والسجالات التي تعج بها الصحف جعلت الناس تنأى عن الاهتمام بهم بشكل كبير، خاصة أن بعض المحسوبين على المشهد الثقافي ركزوا على خلافاتهم الشخصية الصغيرة، وقاموا بتضخميها، ليشعر الجمهور بأن الأديب أو الكاتب، لا يهتم بالشأن العام بقدر اهتمامه بشأنه الخاص.

ولفت شعبان في هذا الصدد إلى الخلاف الأخير الذي نشب بين الروائي يوسف زيدان مؤلف رواية "عزازيل"، وإسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية الذي عين مؤخرًا مستشارًا ثقافيًا لرئيس الوزراء المصري، وذلك بسبب رفض الأول لقرار تعيين الثاني، حيث ظهر الأمر للجمهور وكأنها حرب مصالح شخصية بين الجانبين لا مكان فيها لمصالح الجمهور.

 معارك وهمية

إلى ذلك، علَّق د.إسماعيل سراج الدين على قرار يوسف زيدان باعتزال العمل الثقافي بأن بعض الأدباء يشغلون أنفسهم بمعارك وهمية، لن تضيف شيئًا للوطن، موضحًا أنه لن يشغل نفسه بتلك الأشياء، وسيركز بشكل أساسي على خدمة بلده.

وأضاف: لن ألتفت إلى تلك الأمور الصغيرة، والتي من شأنها أن تبعد المثقف عن الهدف الأهم الذي يصبو إليه، فالتفات النخب الثقافية إلى المشاكل الشخصية، لن يصنع وعيًا جماهيريًا، ولن يفيد الساحة الثقافية والعامة في شيء.

 على الهامش

في الاتجاه ذاته، أكد الكاتب فؤاد قنديل، أن كثيرا من المثقفين يتصورون أنهم مبعوثو العناية الإلهية لإنقاذ البشرية فتسقط منهم صفة التواضع، ويظن الواحد منهم أنه محور الكون، وبعضهم يتخلى عن دوره الوطني، لتحل محله الأنانية والشخصانية، وهذا الفريق يقلل من شأن المثقفين بشكل عام ويسيء إلى سمعتهم.

ويؤكد قنديل أن النخبة كما هي، بل ربما زاد صوتها قليلًا عن الماضي، خاصة في محاولة استغلال مناخ الحرية، لكن الفرق أن المثقفين القدامى كانوا نجومًا في الحياة الثقافية، أما مثقفو اليوم فهم على الهامش بالنسبة لمجتمعاتهم.

 

فخ

بينما توضح الروائية منصورة عز الدين، التي صعدت روايتها "ما وراء الفردوس" إلى القائمة القصيرة لبوكر، وفازت روايتها "جبل الزمرد" كأحسن رواية في معرض الشارقة للكتاب، أن الجمهور ابتعد عن القراءة بعد أن أصبحت الأعمال مكررة ولا تضيف جديدًا، كما أنها لا تتلبس بروح العصر، موضحة أنها في روايتها الجديدة استخدمت نصًا قديمًا كألف ليلة وليلة لكنها مع ذلك حاولت أن تغزو منطقة جديدة لم يدخلها أحد من قبل، فاللغة المستخدمة هي لغة الكاتبة، كما أن القصة المكتوبة هي محاولة لإيهام أنها من ألف ليلة وليلة، لكنها ليست كذلك، وتعد الرواية محاولة لطرح أفكار عن الشفاهي والكتابي، وفكرة التزييف، مع الأصل والصورة، لتحوز رواية الكاتبة على جائزة واحتفاء جمهوري برغم التكرار، ذلك الفخ الذي وقع فيه العديد من النخب والأعمال اللامعة، والتي هوت أعمالها الأدبية، ولم تحز إعجاب القراء؛ نظرًا لقدم طرحها، وابتعاده عن اهتمامات الجمهور.

وأضافت أن كاتب اليوم عليه أن يمتلك أصالة الأمس بأساليب عصرية تخاطب جيل اليوم، والذي لم يعد الكتاب وحده هو مصدر إلهامه وتفكيره.

 

اختلاف الأجيال

في اتجاه مغاير، يوضح الروائي الشاب محمد صادق صاحب رواية "هيبتا"، أن سبب إقبال الشباب على المنتج الشبابي في السنوات الأخيرة، كان من أجل تشابه تلك الأعمال لفكر القراء أنفسهم، فكل عصر له مطلبه الخاص، والذي يجب أن يأخذه الكتَّاب في الاعتبار، وإلا هُجرت أعمالهم، مؤكدًا أنه لولا أن الروائيين يكتبون بما يشعر به الشباب ويفتقدونه عند قراءتهم لأدباء من غير عصرهم، لما لجأوا إلى الروايات الشبابية، مضيفًا أنه حان الوقت لتغير الجهات الحكومية موقفها تجاه الأعمال الشبابية، وتحاول أن تدعمها، وتشجعها.

 

وسائل تواصل حديثة

وفي سياق متصل، أكد أحمد مهني مؤسس دار دون للنشر والتوزيع التي تعني بشكل خاص بنشر الأعمال الشبابية، أن العلاقة بين القارئ والكاتب كانت لا تتعدى قديمًا قراءة الكتاب، ومن هنا ظهرت حديثًا العلاقة الحميمية بين القراء والأدباء الشباب الذين يمدون جسور التواصل بينهم وبين الجمهور، عن طريق اللقاءات والندوات والمهرجانات وحفلات التوقيع المختلفة، ما جعل القارئ يقترب من كاتبه المفضل، ويحدثه وجهًا لوجه، ويشجعه هذا على قراءة مزيد من الأعمال، ومتابعة كل جديد يصدره هذا الكاتب الشاب.

أما غياب التأثير الذي كانت تحدثه كتابات كبار المبدعين في النصف الثاني من القرن العشرين فسببه اختلاف طبيعة العصر، وظهور وسائل حديثة جذبت الجمهور وأبعدتهم عن مرمى تأثير المثقفين.

 

خطوات فعلية

وتشير الروائية سهير المصادفة رئيسة سلسلة الجوائز بهيئة الكتاب، أنها دائما ما تقول "لو كانت النخبة تعمل لما ارتبك المشهد العام" فالشارع كان سيتجاوب إذا قامت النخبة بشيء فعلي على أرض الواقع، معربة عن أملها بأن تتخذ النخبة خطوات فعلية على أرض الواقع، من أجل تغيير المشهد الثقافي والعام، متسائلة: من غير النخبة يمكن أن يغير وعي الجمهور؟

 

تهميش

ويوضح الكاتب يوسف القعيد، أن النخبة لم يعد لها نفس الدور لأسباب كثيرة، فبعد عصر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لم يعد المجتمع يعني بالنخبة، ليصبح عنده نخبة أخرى كلاعب كرة القدم، والراقصة، بل وحتى المجرم، فهو مجتمع "طارد للمثقفين" -على حد وصفه- لذا أصبح غير مباليًا بالثقافة، كما أن الحكام لم يعودوا في حاجة إلى المثقفين؛ مشيرًا إلى أن عودة المثقفين مرة أخرى إلى الساحة بيد السلطة الحاكمة إذا انضبطت الأمور، وتم تقدير قيمة المثقفين في المشهد الحالي.

 

مواقف سياسية

بدوره، يؤكد د.أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع أن المجتمع أصبح هو من يقود النخب الثقافية والسياسية، بل أصبحت النخب هي من تتأثر بآراء الجمهور، وتحسب لها ألف حساب، إذ تبتعد بعض النخب عن المشهد مؤقتًا حتى لا يهاجمها الجمهور، أو يلجأ البعض لتغيير أرائه حتى لا يبتعد عنه القراء، أو يخسر محبيه.

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top