التونسية حياة الرايس لـ "عرب بيزنس": أري نفسي امرأة تعيش شعريًا على الأرض ونصّها امتداد لروحها

06 مارس 2017
الكاتب :  القاهرة- أمنية حسن
369 الزيارات

عالم الشعر والقصة القصيرة هيأني لغزو عالم الرواية

المرأة في المجتمع العربي تعاني من القوانين الذكورية وتسلط العقلية القبلية

على المثقف أن يلتقط أنفاسه ويعدّ مشروعه الذي يبدأ فيه بطرح سؤال الكينونة: من يحكمنا؟ وكيف؟

قصّة "عزرائيل والكاتب" أثارت ضجة وأسالت حبرًا.. وهي في الحقيقة قصة رمزية عن الصراع الوجودي الميتافيزيقي الأزلي بين الحياة والموت

الإلهة "عشتار" ألهمتني ودفعتني إلى تأمل شفرات الأساطير

 

بدأ اسمها بالظهور في العالم الأدبي منذ الثمانينيات من القرن الماضي، ومع أوائل التسعينيات نشرت أولى مجموعاتها القصصية بعنوان "ليت هندا"، وعلى مدار أكثر من ربع قرن استطاعت الكاتبة التونسية حياة الرايس أن تبدع في مجالات مختلفة من الأدب وأن تصنع أدبًا يشير إلى اسمها وحبها لعالم الميثولوجيا وقراءة أساطيره، خاصة عن الإلهة "عشتار"؛ ما جعلها تبدع في واحدة من المسرحيات المهمة في تاريخ الأدب الحديث: "سيدة الأسرار عشتار".. "البيان" التقت الكاتبة التونسية فكان هذا الحوار.

 

المتابع لكتاباتك يجد لغة رصينة وشاعرية. ما هو منبع هذه اللغة؟

أنت تبشرينني بنضج إبداعي أسعى إليه ويسعى إليَّ منذ ثلث قرن من المسيرة الإبداعية رفدتها بينابيع عدة، ربّما أولها الكُتّاب وحفظ القرآن الذي يعطي مَلكة اللغة وقوّتها وفصاحتها وبلاغتها، ثم دراسة فلسفة الإغريق في أحضان حضارة بلاد الرافدين بغداد.

 بالإضافة إلى أب حكّاء بالفطرة علّمني فن القص ومتعة التشويق منذ الصغر، وأم طرّازة علّمتني "غرزة الحساب"، وهي أن أيّ غرزة زائدة تفسد رسم اللوحة كلّها؛ كاللغة العربية تمامًا يفسد مزاجها أي حرف زائد.

أما فيما يتعلق بلغتي الشاعرية فالشعر هو وجدان الأرض وروحها، وأنا امرأة تعيش شعريًا على الأرض، ونصي هو امتداد لروحي، واللحظة الشعرية هي لحظة التحام روح الكاتب السارية في جسده بروح الكون السارية في جسد النص الخافق بنبضه، والشعر عمومًا ليس في القصائد؛ إنما هو مبثوث في الكون، وما على الكاتب إلا اقتناص ومضاته ونفحات طيب ريحه.

-بدأتِ الكتابة الأدبية في الثمانينيات من القرن الماضي، لكنكِ لم تنشري أولى مجموعاتك القصصية إلا في التسعينيات. ما السبب؟

لم أستعجل النشر منذ بدايتي؛ فقد بقيت عشرية كاملة من الثمانينيات حتى التسعينيات أكتب قصصًا وأنشرها في المجلات والجرائد دون أن أجمعها في كتاب، حتى جاء عام 1991م وأصدرت مجموعتي الأولى "ليت هندا"، وذلك عندما أحسست أنني حققت الإضافة والتفرد بأسلوب خاص مختلف عن السائد، وعندما أحسست بنوع من النضج الإبداعي أيضًا.

 

التراث

استعنتِ بأسطورة عشتار في مسرحيتك "سيدة الأسرار عشتار". فكيف استفدتِ من التراث؟

كان حظًّا جميلًا أن أدرس فلسفة الإغريق في رحاب حضارة بلاد وادي الرافدين، وكنت أُقبل بهمّتي على كشف رموز الميثولوجيا الرافدية التي تتقاطع مع الميثولوجيا اليونانية وفك رموزها وأسرارها، خاصة فيما يتعلق بملحمة الخلق الأولى في الميثولوجيا القديمة، وكان أن وقعت في أسر حكايات وأساطير الأولين التي تروي أقدم المغامرات الإبداعية للمخيّلة البشريّة.

وقد سحرتني هذه المخيّلة الولّادة والخلاّقة التي ما انفكت تبدع وتبتكر مغامرات جديدة وتسرد حكايات البدايات الأولى وقصص الآلهة وأنصاف الآلهة وأنصاف البشر، ووجدت نفسي أدور ضمن دوّامة مسكونة بحكايات وأساطير، وكانت الإلهة "عشتار" هي الحاضرة الأقوى على مسرح الأحداث، ووجدتها رمزًا مشتركًا بين عدة ديانات وعدة حضارات؛ فعمدت إلى بعثها من جديد كصلة موصولة بالعلاقة الوجودية، ولعلي أيضًا بإعادة كتابة "عشتار" أدافع عن حبّ الحياة بالكتابة التي هي الحياة الأخرى للذات الأنثوية. 

إذا ذكرنا عشتار من جديد نجد أنها تعبر عن عالمك في بغداد. فأين الوطن الأم "تونس" في أعمال حياة الرايس؟

"عشتار" ليست كل أعمالي، هي مسرحية طبعت عدة طبعات بين تونس والقاهرة والإسكندرية، أما تونس الوطن الأم فهي حاضرة في كل أعمالي أذكر منها كتابي "جسد المرأة من سلطة الأنس إلى سلطة الجن" الذي أصدرته في القاهرة وأثار ضجة حينها سنة 1995 م.

 

 

نساء مقهورات

في هذا الكتاب المشار إليه والمنشور عام 1995م رصدتِ عالمًا آخر للنساء الواقعات تحت قهر المجتمع. هل ما زالت النساء تعاني نفس القهر الآن؟

تحدثتُ في الكتاب عن العوائق التي تكبل جسد المرأة؛ بدءًا بالحالات المرضية فيما يتعلق بالنساء المسكونات بالجان، وهن ضحية قهر وكبت اجتماعيين، إذ يتحول لديهن الخطاب القمعي إلى نوبات صرع وجنون انتهيت فيه إلى عوامل تحرر المرأة. وحتى الآن ما زالت المرأة تعاني من القوانين الذكورية الجائرة في المجتمع العربي وتسلط العقلية البطرياركية وعقلية القبيلة التي كثيرًا ما احتقرت المرأة وأهانتها واعتبرتها مخلوقًا ناقصًا عقلًا ودينًا.

 

المثل الأعلى

حدثينا عن شغفك بكتابات الكاتب التونسي المعروف محمود المسعدي وماذا يمثل لكِ...

الحقيقة أن محمود المسعدي يعد أستاذنا ومعلمنا الأول في فن توظيف التراث، وأنا أعتز ولي الشرف أن انتسب إليه وأكمل مسيرة بدأها، وهذا يحملني مسؤولية تاريخية أيضًا؛ ولكن لي قراءتي الخاصة للتراث أيضًا، فأنا أستحضره وأسأله وأستجوبه ولا أقدسه.

وأذكر أنه عندما صدرت مسرحية "عشتار" كتب عنها الناقد الكبير محمد صالح بن عمر قائلًا: "ولعل حياة الرايس باختيارها السير في هذا المنحى إنما تحيي سنة بدأها محمود المسعدي في نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، وهو توظيف الأجواء الأسطورية المشرقية القديمة في معالجة قضايا الواقع والعصر".

دور المثقف

مرت تونس بمرحلة حاسمة في تاريخها منذ ثورة الياسمين، فما هو دور المثقف برأيك في الارتقاء بمجتمعه؟

على المثقف الآن أن يلتقط أنفاسه ويعدّ مشروعه الذي يبدأ فيه بطرح سؤال الكينونة، ليس ذلك الطرح التقليدي: من نحن؟ ومن هو الآخر؟ لأن إشكاليات الأنا والآخر وشرق وغرب وشمال وجنوب قد بليت وإنما سؤال الكينونة المتمثل في: من يحكمنا؟ وكيف؟

تنوع إنتاجك الأدبي ما بين مسرح وقصص قصيرة وشعر، فهل تطرقين باب الرواية قريبًا؟

بدأتُ قاصة بمجموعتي القصصية "ليت هندا" ثم مجموعة "أنا وفرنسوا" و"جسدي المبعثر على العتبة"، هذه كلها عناوين مجموعات قصصية تخللتها مسرحية "عشتار"، وهو نص أردته مسرحيًا فإذا به نص منفلت من التجنيس، بحسب تعبير الناقد كمال الرياحي، وتخلل هذه الإصدارات ديواني الشعري "أنثى الريح" وقبله "جسد المرأة من سلطة الإنس إلى سلطة الجن"، وهو بحث فلسفي أو مقاربة سيكولوجية أنثروبولوجية للأعراض المرضية التي تكبل جسد المرأة.

كل هذه الأشكال الإبداعية المختلفة هيأتني للرواية التي تنشر مسلسلة منذ سنتين في مجلة "ألف باء" العراقية كنوع من إثراء أدب البوح الذي تفتقر إليه الكتابات النسائية قياسًا إلى كتابات الرجل في هذا المجال، وكون هذه الرواية "سيرة ذاتية" عن مذكرات طالبة تونسية ببغداد تتخللها عدة محطات أخرى بين تونس وباريس، فهي تعتبر وثيقة عن الحياة الأدبية الاجتماعية والطلابية والسياسية ببغداد في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات.

 

التابوهات

في قصة "عزرائيل وكاتب" تطرقتِ إلى فكرة دينية ودنيوية هي عزرائيل الذي يقبض الأرواح وحديثه مع البطل. تحيلنا هذه القصة إلى رؤيتك حول حضور التابوهات مثل الجنس والدين في الأعمال الأدبية...

قصّة "عزرائيل والكاتب" أثارت ضجة وأسالت حبرًا، واتهمت من البعض بارتكاب إثم، وهي في الحقيقة قصة رمزية عن الصراع الوجودي الميتافيزيقي الأزلي بين الحياة والموت، بين الفناء والخلود، تخيلت فيها عزرائيل موظفًا مكلفًا بقبض الأرواح يقوم في الصباح ويتفقد دفتره اليومي فيجد أن البطل -وهو الكاتب "عمر الخالد"- على رأس القائمة فيتوجه إليه مباشرة؛ إلا أن البطل يخبره بأنه يكتب رواية بطلها الأساسي عزرائيل ويطلب منه التعرف عليه أكثر لبناء الشخصية الرئيسية ثم يدعوه إلى قراءتها، فيغرق عزرائيل في تفاصيل الرواية ويؤخذ في تفاصيل الحكي والتشويق حتى ينسى أمره وما جاء من أجله.

سيدة الأسرار عشتار

تستمد الكاتبة التونسية حياة الرايس من عالم الميثولوجيا البابلية لتقدم أسطورة سومرية خاصة، وهي أسطورة عشتار، هذه الإلهة التي تعود إلى العصور القديمة وتحمل بين طياتها الحب والجمال والتضحية.

النص المسرحي "سيدة الأسرار عشتار" الذى تقدمه الرايس في صفحات قليلة لم تتجاوز المائة، وتم نشره عن دار شمس للنشر والتوزيع، فاز باختيار لجنة تحكيم الملتقى الإبداعي السابع للفرق المسرحية المستقلة لتكون ضمن أفضل النصوص المسرحية المتميزة التي تمت ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، ونشرت في نسخة مزدوجة باللغتين العربية والإنجليزية، من خلال ثنائية لغوية تهدف إلى تعريف القارئ على المستويين المحلي والدولي بقضايا المسرح النسائي العربي.

تقدم الرايس في هذه المسرحية رؤية عن المرأة في صورة عشتار المتوهجة، الحاضرة دائمًا كإلهة للحب والخلق، وتشير إلى بُعد آخر وهو تخليص الجسد الأنثوي من التدنيس المتهمة به دائمًا، الذي لحق بها على مدار التاريخ. كما يمكن اعتبار هذاغ النص المسرحي رؤية في الماضي والحاضر على صعيد تطور أحوال المرأة، ليس المرأة العربية فحسب؛ بل رؤية عالمية عن المرأة الأولى التي تعود إلى العصر الأمومي الأول.ش

البعد السيكولوجي

من خلال رؤية أسطورية، تقدم الرايس تفسيرًا سيكولوجيًا وقراءة نفسية لأعماق المرأة من خلال الأسطورة البالية عشتار، التي تمثل المرأة بتنوعاتها واختلافاتها وما ترميه من أبعاد على مكانة المرأة وتأثيرها في المجتمع؛ ولذا تعتبر المسرحية ذات رؤية نسوية خاصة تتناولها امرأة وتعبر عنها امرأة وتقدم إلى امرأة. 

ووفق رؤية عدد من النقاد، فقد ضربت الرايس بهذه المسرحية التابوهات عرض الحائط؛ لتقدم رؤية عن ما هو مسكوت عنه وغائب فيما يخص المرأة، موضحة أنها ليست مجرد جسد عورة كما يطل عليها أو تصنف، وتقول عشتار في المسرحية:

"إلى العرس المقدس أمّي كانت قد أعدّتني

إلى لقاء تموز، زوجي الموعود، أعدّتني

يما يليق بملكة سومرية.

بماء الإبريق المقدس استحممت

بالصابون دلكت جسدي،

في الطست الأبيض اغتسلت

بالعنبر طليت ثغري

بالكحل كحّلت عينيّ

بالحجارة الكريمة والمجوهرات والحلي

زيّنت أمّي مختلف أنحاء جسدي

ومن كنز أهداني إيّاه أحد عشاقي

انتقيت حجر الآزورد لصدري وعنقي،

وخرزا بيضاوي الشكل لردفي ورأسي،

ورصّعت بحجر الدّر ضفائر شعري.

وبالأقراط البرونزية زيّنت شحمة أذني.

ومختلف أنواع الحلي لوجهي وأنفي و عجيزتي،

و الأبستر اللامع لسرتي

والخفين لقدميّ".

 

اضاءة

حياة الرايس هي أديبة تونسية ورئيسة "رابطة الكاتبات التونسيات"، وهي جمعية أدبية أسستها منذ سنة 1994 تسعى إلى لمّ شمل الكاتبات والتعريف بكتبهن ونشر الفكر الحداثي المستنير، وتسعى إلى أن تصبح رابطة للكاتبات العربيات.

عن عرب بيزنس

طريقك الى عالم المال والاعمال

مجلة اقتصادية ورقية يتبعها بوابة الكترونية على الانترنت

تواصل معنا عبر الفيس بوك

Top